هلال وظلال
عبد المنعم هلال
ـ في الغربة، الناس تفتش عن اللمة، عن صوت يشبه صوتها، وضحكة قريبة من القلب، ووجوه فيها ملامح الوطن. والسودانيون في الخارج، خاصة في القاهرة، أثبتوا أن المسافة لا تقطع حبال الأخوة، بل أحيانًا تقويها.
من رحم الحنين للوطن، ومن عشق الرياضة ولمة الأصحاب، اتولد قروب «خوة وكورة»؛ قروب اجتماعي رياضي ثقافي ضم رياضيين سودانيين جمعتهم القاهرة، وقبلها جمعتهم المحبة والانتماء.
ـ القروب ما مجرد تمارين كورة في ميدان، ولا منافسات ودية تنتهي بصافرة حكم، هو مساحة للضحكة الصافية، وللدعم النفسي، ولتخفيف وطأة الغربة وأهوال الحرب. هو مكان تلقى فيه أخوك قبل ما تلقى زميلك في الفريق.
ـ البعد عن الوطن والغربة ما حاجة ساهلة يا جماعة، فمهما كانت المدينة جميلة، ومهما كانت الحياة منظمة وسهلة، في فراغ داخلي ما بتملاه إلا اللمة، إلا صوت سوداني يقول ليك: «يا زول وينك مختفي؟».
ـ في القاهرة، المدينة الكبيرة البتستقبل آلاف السودانيين، الحياة سريعة، والوقت ممل، والناس مشغولة ومهمومة، وكل زول شايل همومو ومسؤولياتو، لكن وسط الزحمة دي ظهرت مبادرات صغيرة في شكلها، كبيرة في معناها، زي قروب «خوة وكورة».
ـ القروب دا ما اتأسس بقرار رسمي ولا بلائحة معقدة، اتأسس بالفطرة السودانية السمحة البتعرف قيمة الجماعة. مجموعة شباب ورياضيين قرروا إنو ما يخلوا الغربة تفككهم، ولا تخلي كل واحد يعيش في جزيرة معزولة. قالوا نجتمع، نلعب كورة، نتونس، ونبقى سند لبعض.
ـ ومع الأيام، اللقاء الأسبوعي بقى عادة جميلة، والتمرين ما بس تسعين دقيقة جري وعرق، هي مساحة لتفريغ الضغوط، لتبادل الأخبار، وللاطمئنان على بعض. بعد التمرين الجلسة أهم من المباراة نفسها: شاي، ونسة، ضحكة، نقاش في الرياضة، وفي السؤال عن الحال والأحوال، وفي هموم الوطن، وكأنهم نقلوا قطعة صغيرة من السودان إلى قلب القاهرة.
ـ لكن القيمة الحقيقية للقروب ظهرت في المواقف. لما يمرض أحد ويحتاج للعلاج، الكل يتحرك بدون تنسيق طويل: زيارة، ومساعدة، ومتابعة علاج، وتواصل، واهتمام.
ـ لو في زول جديد واصل القاهرة، القروب يستقبله، ويعرفه بالناس، ويساعده في السكن والاستقرار، أو حتى في التوجيه العام.
ـ لو في حالة إنسانية محتاجة دعم، المبادرة تكون فورية، والاشتراك يكون بروح واحدة.
ـ القروب كمان ما حصر نفسو في الرياضة فقط؛ في مناسبات اجتماعية، وإفطارات جماعية في رمضان، وزيارات، ومعايدات، ومشاركات اجتماعية وثقافية، وحرص دائم على أن تكون العلاقة أعمق من مجرد زمالة ملعب. هنا تتحول الكورة إلى جسر، والأخوة إلى أساس. والجميل في «خوة وكورة» إنو ما في نجم فوق نجم، وما في تصنيفات الكبير والصغير؛ سواء الدكتور جنب العامل، والمهندس جنب الطالب، والمشهور جنب المغمور، الكل يلبس نفس الفانلة، ويلعب بنفس الحماس، ويضحك بنفس القلب.
ـ في زمن كثرت فيه الانقسامات، القروب دا بيقدم درسًا عمليًا: نقدر نختلف في تشجيعنا، في آرائنا، في ميولنا، وفي توجهاتنا، لكن نجتمع تحت مظلة الاحترام والمحبة.
ـ «خوة وكورة» ما بس اسم، هو معنى، هو رسالة، هو تأكيد إنو السوداني، محل ما يمشي، بيحمل معاه روح الجماعة، ويصنع وطنًا صغيرًا في أي أرض تطأها قدمه.
ـ التحية والتقدير لقروب «خوة وكورة»، للناس البتخطط، والناس البتتعب، والناس البتحضر، ولكل عضو شايل هم الجماعة قبل هم نفسو. أنتم نموذج جميل للترابط السوداني في الخارج، أنتم صورة مصغرة للوطن الممكن؛ وطن الأخوة قبل الخلاف، والتعاون قبل الأنانية.
ـ كل الشكر والتقدير للقائمين على أمر القروب، ولكل أعضائه فردًا فردًا، على هذه الأعمال الخيرة والإنسانية.
وكل عام وأنتم بخير، ونسأل الله أن يجمعنا بخوتنا وكورتنا في وطننا الغالي قريبًا، في ملاعبه وساحاته، في أرضه وتحت سمائه، وبين أهلنا وناسنا.












