على حافة الضوء
د. عمار برهان
وُلد الدكتور بشرى الفاضل عام 1952 في قرية أرقي بشمال السودان، وحمل منذ طفولته ذاكرة المكان بما فيها من نيل ونخيل ووجوه وحكايات. انتقلت أسرته لاحقاً إلى منطقة الجزيرة، فكبر بين بيئتين صنعتا حساسيته تجاه التفاصيل الصغيرة، ومنحتاه عيناً ترى الإنسان داخل المشهد قبل أن ترى المشهد نفسه. لهذا تبدو القرية والمدينة في كتاباته كائنين حيّين يتكلمان ويتعبان، ويسخران ويحفظان آثار العابرين.
درس الآداب في جامعة الخرطوم، ثم تابع دراساته العليا في روسيا حتى نال الدكتوراه في اللغة والأدب الروسيين. عاد إلى السودان ليُدرّس اللغة الروسية وآدابها في كلية الآداب بجامعة الخرطوم، ووصل إلى درجة أستاذ مساعد. انتهت تجربته الجامعية عام 1992، ثم انتقل إلى المملكة العربية السعودية، حيث عمل باحثاً ومترجماً ومحرراً في مؤسسة المدينة للصحافة والنشر، أضافت هذه الرحلة إلى صوته الأدبي شعوراً عميقاً بالمسافة، مسافة المهاجر عن وطنه، والمثقف عن واقع يضغط على أحلامه.
دخل بشرى الفاضل إلى السرد من بوابة الشعر، فحافظت قصصه على التكثيف والصورة والإيقاع، لغته مرنة ومشاكسة، تجمع الفصحى بنبض الكلام السوداني، وتبتكر كائنات وألفاظاً تفتح أبواباً جديدة للخيال، في عوالمه تتجاور السخرية السوداء مع الحزن، ويتحوّل الحيوان والشارع والحافلة والقرية إلى مرايا تكشف السلطة والخوف والفقر والعنف، تأثره بالأدب الروسي يظهر في عنايته بالمهمشين، وفي قدرته على التقاط المأساة من حركة عابرة أو تفصيل يومي، بينما بقيت روحه سودانية في موسيقاها وصورها وحرارتها، وتجسد قصة (حكاية البنت التي طارت عصافيرها) ذروة هذا الأسلوب، كتبها عام 1979وكانت قصته الثانية، ثم ظهرت ضمن مجموعته القصصية الأولى عام 1990وتنطلق الحكاية من زحام الخرطوم، وتدخل إلى عالم امرأة تواجه التحرش والعنف، قبل أن تنقلب التفاصيل المألوفة إلى مشهد فانتازي موجع، العصافير هنا صورة للحرية والهشاشة والجمال المهدد، واللغة تحمل القارئ بين الضحك والصدمة في لحظة واحدة، تُرجمت القصة إلى الإنجليزية على يد ماكس شموكلر، بمساندة نجلاء عثمان التوم، ونُشرت في (كتاب الخرطوم) عام 2016، ثم فازت بجائزة كين للكتابة الأفريقية عام 2017 وقد جاء فوزه بجائزة كين بعد عقود من كتابة القصة، كأن النص ظل يسافر بصمت حتى وجد قارئه العالمي، هذه المفارقة تمنح تجربته معنى خاصاً للشباب الذين يربطون القيمة بسرعة الانتشار فالعمل الصادق قد يحتاج زمناً طويلاً كي يعبر الحدود، بينما تحتفظ الفكرة الحية بقدرتها على الوصول، وقد أشادت لجنة الجائزة ببناء القصة ولغتها وتصويرها لمخاطر تهدد الحريات الشخصية، ومن خلال هذا الإنجاز دخل صوت سوداني محلي إلى فضاء أفريقي وعالمي، مؤكداً أن التفاصيل الخارجة من حافلة مزدحمة في الخرطوم تستطيع مخاطبة إنسان يعيش في مدينة بعيدة، لأن الخوف والكرامة والحلم لغات بشرية مشتركة
سبق ذلك تتويج مجموعته (فوق سماء بندر) بجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي في مجال القصة القصيرة عام 2012 وتشمل أعماله (سليمانة والديك الأخرس) و(أزرق اليمامة) و(فسيولوجيا الطفابيع) كما أنتج د. بشرى الفاضل مجموعة أعمال أخرى تشمل (تعيسة) و(سيمفونية الجراد) و(هضلبيم: عن الأنهار وضفافها) إلى جانب كتاب (تضاريس) في النقد الأدبي، امتدت تجربته إلى الدراما أيضاً فكتب مسلسل (طلعت القمرا) في ثلاثين حلقة، وقدم للأطفال (ظهور السندباد) كما فاز عمله (حوش ناس عجبنا) في مسابقة تلفزيونية سودانية.
تكمن فرادة بشرى الفاضل في شجاعته اللغوية فهو يعامل الكلمات كمادة قابلة للتمدد والتحول، ويمنح القارئ متعة الاكتشاف بدلاً من تسليمه معنى جاهزاً، شخصياته تحمل ضعفها وكرامتها معاً، وتتحرك وسط واقع قاسٍ بروح ساخرة تحمي ما تبقى من إنسانيتها، هذه الروح تجعل أدبه قريباً من جيل الشباب هذا الجيل الذي يعيش ازدحام الأسئلة، ويبحث عن لغة تعبّر عن القلق والغضب والرغبة في الحرية.
قراءة أدب د. الفاضل بشرى الفاضل تشبه الدخول إلى مدينة مألوفة بعد هطول مطر مفاجئ حيث الشوارع ذاتها الوجوه ذاتها، لكن الضوء يكشف طبقات كانت مختبئة في نصوصه بحيث يصبح الضحك موقفاً أخلاقياً، والخيال وسيلة لمقاومة القبح، والكتابة مساحة تحفظ للإنسان حقه في الدهشة، لذلك يظل صوته واحداً من أكثر الأصوات تميزاً في السرد السوداني الحديث، صوتاً يعرف أن الجمال قد يخرج من قلب المأساة، وأن العصافير، مهما ضاق بها الأفق، تواصل الطيران والبحث عن سماء.













