علي حافة الضوء
د.عمار برهان
الحَضَارَةُ السُّودَانِيَّةُ القَدِيمَةُ ذَاكِرَةٌ حَيَّةٌ يَحفَظُهَا النِّيلُ لِتَسكُنَ النَّاسَ وَالمَكَانَ، تَبدَأُ مِن أَزمِنَةٍ قَدِيمَةٍ مُنذُ تَاسِيتِي وَكُوش، وَتَمتَدُّ إِلَى القُرَى الوَاقِعَةِ قُربَ النِّيلِ لِتَصِلَ إِلَى نَبتَةَ وَمَرَوِي وتَمتَدُّ بِعَظَمَتِها فِي كُلِّ أِرضِ السُّودَانِ، تَظهَرُ مَلَامِحُهَا فِي مُمَارَسَاتِ النَّاسِ اليَومِيَّةِ، فِي إِيقَاعِ الدُّفُوفِ فِي اللَّيَالِي الشَّعبِيَّةِ وَالمُنَاسَبَاتِ الجَمَاعِيَّةِ، فِي العَادَاتِ والتَّقَالِيدِ الَّتِي تَجرِي بِشَكلٍ رُوتِينِيّ دُونَ تَكَلُّفٍ. عِندَمَا نَرجِعُ إِلَى المَاضِي يَتَحَوَّلُ الزَّمَنُ دَاخِلَنَا إِلَى ضَوءٍ يُسَاعِدُنَا عَلَى فَهمِ الطَّرِيقِ، وَيُذَكِّرُنَا بِأَنَّ مَا بَنَاهُ الأَجدَادُ مَا زَالَ قَرِيباً مِن حَيَاتِنَا.
وَحِينَ نَنظُرُ إِلَى الأَهرَامِ القَائِمَةِ بِثَبَاتٍ، نَرَى حِجَارَةً تَحمِلُ أَسئِلَةَ الإِنسَانِ عَنِ الخُلُودِ وَالمَعنَى، فَقَد أَرَادَ الإِنسَانُ السُّودَانِيُّ القَدِيمُ أَن يَجعَلَ حَيَاتَهُ القَصِيرَةَ أَثَراً بَاقِياً فِي الأَرضِ وَالقُلُوبِ، هُنَاكَ بَينَ التُّرَابِ وَالسَّمَاءِ، تَعَلَّمَ أَنَّ الوُجُودَ الحَقِيقِيَّ يَظهَرُ فِيمَا نَترُكُهُ مِن خَيرٍ وَذَاكِرَةٍ وَكَرَامَةٍ، وَفِيمَا نَزرَعُهُ فِي المَكَانِ مِن جَمَالٍ وَمَعنَى.
وَمَا زَالَ هَذَا الأَثَرُ يَعِيشُ مَعَنَا اليَومَ فِي تَفَاصِيلَ بَسِيطَةٍ نَرَاهَا كُلَّ يَومٍ، يَظهَرُ فِي الثَّوبِ السُّودَانِيِّ الَّذِي تَرتَدِيهِ المَرأَةُ بِوَقَارٍ، وَفِي حُبِّ الأَجيَالِ لِتُرَاثِ الأَجدَادِ، وَفِي صَوتِ الطَّنبُورِ حِينَ يُحَوِّلُ الحُزنَ الخَاصَّ إِلَى حِكمَةٍ مُشتَرَكَةٍ، وَفِي طُقُوسِ الضِّيَافَةِ حِينَ يُصبِحُ فِنجَانُ القَهوَةِ وَعداً بِالمَحَبَّةِ وَالاحتِرَامِ بَينَ الإِنسَانِ وَأَخِيهِ الإِنسَانِ.
وَالثَّقَافَةُ السُّودَانِيَّةُ تَبدَأُ قَبلَ الكِتَابِ المَدرَسِيِّ بِوَقتٍ طَوِيلٍ، تَبدَأُ مِنَ الحِكَايَاتِ الَّتِي تُروَى فِي القُرَى عِندَ الغُرُوبِ، وَمِنَ المَثَلِ الشَّعبِيِّ الَّذِي يُلَخِّصُ تَجرِبَةً حَيَاتِيِّةً طَوِيلَةً فِي جُملَةٍ قَصِيرَةٍ، وَمِنَ الرَّقصَةِ الشَّعبِيَّةِ الَّتِي تَجعَلُ الجَسَدَ يَتَذَكَّرُ مَا تَرَكَتهُ الكُتُبُ جَانِباً، الحَضَارَةُ فِي جَوهَرِهَا طَرِيقَةٌ ذَكِيَّةٌ لِلنَّظَرِ إِلَى الحَيَاةِ وَفَهمِ تَفَاصِيلِهَا الصَّغِيرَةِ، وَرَبطِ المَاضِي بِالحَاضِرِ بِطَرِيقَةٍ تَمنَحُ الإِنسَانَ ثِقَةً قَوَيَّةً بِنَفسِهِ وبِأَصلِهِ.
وَمِن كُوش نَتَعَلَّمُ دَرسًا مُهِمَّاً مَفَادُه أنَّ الهُوِيَّةَ تُصبِحُ أَقوَى عِندَمَا تَعرِفُ نَفسَهَا وَتَتَحَاوَرُ مَعَ العَالَمِ بِثَبَاتٍ وَوَعيٍ، فَالنِّيلُ كَانَ طَرِيقًا لِلِّقَاءِ وَالتَّبَادُلِ، وَالصَّحرَاءُ كَانَت مَسَاحَةً وَاسِعَةً تُعَلِّمُ الصَّبرَ وَتَدفَعُ الإِنسَانَ إِلَى البَحثِ عَنِ المَعنَى، بِهَذَا الفَهمِ يُصبِحُ السُّودَانُ مَكَانًا قَادِراً عَلَى جَمعِ المُختَلِفِ، وَصِنَاعَةِ تَوَازُنٍ بَينَ الجُذُورِ وَالانفِتَاحِ، وَبَينَ الذَّاكِرَةِ وَالرَّغبَةِ فِي المُستَقبَلِ.
وَإِذَا تَأَمَّلنَا الوَجهَ اليَومِيَّ لِهَذِهِ الذَّاكِرَةِ، وَجَدنَاهُ فِي أَسمَاءِ القُرَى، وَزَخَارِفِ البُيُوتِ، وَأَلوَانِ المَلَابِسِ، وَاحتِفَاءِ النَّاسِ بِالمَاءِ وَالنَّخلِ وَالأَرضِ، فَالفَلَّاحُ الَّذِي يُقَلِّبُ الطِّينَ عَلَى ضَفَّةِ النَّهرِ وَيَغرِسُ الأَشجَارَ يُوَاصِلُ حِوَاراً قَدِيماً بَينَ الإِنسَانِ وَالخُصُوبَةِ، وَالأُمُّ الَّتِي تُغَنِّي لِطِفلِهَا تَمُدُّ خَيطاً رَقِيقاً بَينَ المَهدِ وَالأُسطُورَةِ، كَأَنَّ الحَيَاةَ تَحفَظُ نَفسَهَا بِالأُغنِيَةِ وَبِالحَنَانِ.
وَفِي كُلِّ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ تَظهَرُ فَلسَفَةٌ بَسِيطَةٌ وَعَمِيقَةٌ فِي الوَقتِ نَفسِهِ، الإِنسَانُ يَسكُنُ المَكَانَ، وَالمَكَانُ يَسكُنُ رُوحَهُ وَيُعِيدُ تَشكِيلَهَا بِهُدُوءٍ، وَلِهَذَا تَكبُرُ الذِّكرَيَاتُ فِينَا عَبرَ الصَّوتِ وَالرَّائِحَةِ وَالحِكَايَةِ وَاللَّونِ، وَتَبقَى جُزءاً مِن شَخصِيَّتِنَا حَتَّى عِندَمَا نُغَادِرُ القَريَةَ أَوِ المَدِينَةَ أَوِ البَيتَ الأَوَّلَ، َهَكَذَا نَفهَمُ أَنَّ المَورُوثَ بَصِيرَةٌ تُسَاعِدُنَا عَلَى رُؤيَةِ الطَّرِيقِ، كُلَّمَا أَصغَينَا إِلَى صَوتِ الطَّبلِ القَدِيمِ فِي أَعمَاقِنَا، سَمِعنَا خُطَى الأَجدَادِ وَهِيَ تَقُولُ إِنَّ مَن يَجهَلُ جُذُورَهُ يَبقَى خَفِيفاً أَمَامَ الرِّيحِ، وَمَن يَعرِفُهَا يُصبِحُ شَجَرَةً قَوِيَّةً قَادِرَةً عَلَى أَن تَمنَحَ المُستَقبَلَ ظِلَّاً وَاسِعاً وَأَمَلاً جَدِيداً.











