بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
جعلت الجملة أعلاه عنوانًا لما أنا بصدده، للتأكيد على أهمية “التشكيل” في اللغة العربية التي تختلف اختلافًا كبيرًا عن اللغات الهندوأوروبية في مبناها وتشكيلها.
وجملة العنوان تصعب قراءتها لمن يقرؤها للمرة الأولى، وذلك لخلوها من علامات التشكيل، وأعني بها الضمة والفتحة والكسرة والسكون. فهذه العلامات الأربع تحدد في أحايين كثيرة معنى الجملة، وهذا ينطبق على ما ورد منها داخل بنية الكلمة، وما ورد في ضبط أواخر الكلمات. وضبط بنية الكلمة هو من صميم علم الصرف، بينما ضبط أواخر الكلمات من اختصاص علم النحو.
وجملة العنوان السابقة هي جملة اسمية، مبتدؤها هو “رِجْلُ هِرٍّ”، أي رِجْلُ قطٍّ، وخبرها هو الفعل الماضي “اِلْتَوَتْ”، وعلى هذا فمعناها أن “رجل قط اِلْتوت”.
وهذا يقودني لأمر يهمله كثير من الزملاء من معلمي الحلقة الأولى في المرحلة الابتدائية، من عدم تخصيص وقت كاف للوقوف على التشكيل وضرورة التقيد به في كل ما يُكتب ويُقرأ، وهو أمر كان يهتم به المعلمون المؤهلون من خريجي معاهد التربية قبل إلغائها الجائر. ومعلوم بالضرورة أن من يجهل التشكيل لن يقرأ ويكتب بشكل صحيح، وهذا ما نلمسه من بعض الطلاب في المرحلتين المتوسطة والثانوية، بل والجامعية. ومن هنا ضعفت مخرجات التعليم الذي هدفه الأول تعلم الكتابة والقراءة. ومن هنا أيضًا جاءت وتجيء شكوى أولياء الأمور من ضعف مستوى أبنائهم في القراءة والكتابة، وبحثهم عمن يأخذ بأيديهم ويضعهم في الطريق الصحيح، وهم في الغالب الأعم من معلمي الصفوف الأولية ذوي الخبرة، والذين غالبًا ما يسلكون في إصلاح هذا الخلل المسلك الآتي:
أولًا، التأكد من أن الدارس الذي أمامهم يعرف كل الحروف العربية وينطقها نطقًا صحيحًا، في أحوال الحرف الثلاثة (الضم والفتح والكسر)، وهذا يستدعي تخصيص حصة أو أكثر لكل حرف.
ثانيًا، الانتقال لحروف المد (الواو والألف والياء)، والتطبيق المكثف عليها، وهذا أيضًا يحتاج وقتًا ليس بالقصير وتمرينًا على النطق، حتى يستوعب التلميذ ويتدرب على مقدار المد الطبيعي، وهو حركتان.
ثالثًا، انتقال المعلم بعد ذلك لدراسة اللام القمرية واللام الشمسية، مع الأخذ في الاعتبار التكرار والتطبيق العملي، وكذلك الوقوف عند همزتي الوصل والقطع.
رابعًا، بعد ذلك يكون التركيز على التاء المربوطة والتاء المفتوحة (الطويلة)، وبيان أن الأولى تنطق هاءً عند الوقف. ثم بعد ذلك ينتقل المعلم بتلميذه لدراسة التنوين، ثم كتابة الهمزة في وسط الكلمة وآخرها.
خامسًا، كل ذلك يصاحبه طرق تعليمية تعتمد على الدربة والمران، مثل تجريد الكلمة، وبنائها، وبناء الجمل السهلة، والإملاء بشتى أنواعها خاصة المنقولة، ويعتمد كذلك على التدرب على القراءة والوقوف عند الحروف الساكنة كثيرًا، فهي أسُّ المشاكل، وذلك لأن الحرف الساكن لا ينطق بمفرده، لكن مع الحرف الذي قبله. أقول إن ما سبق لم تهمله المناهج السودانية في كل طبعاتها، لكن أهمله بعض الزملاء المعلمين ولم يقفوا عنده طويلًا فتردّى مستوى التلاميذ وكثرت شكوى أولياء الأمور من ذلك، فلزم التنويه والتنبيه













