الزبير نايل
من بين رسائل التهنئة بشهر رمضان الكريم وصلتني رسالة من ابني ذي السبعة عشر ربيعا يهنئني فيها بقدوم الشهر ثم ختمها بعبارة مرهقة روحيا:
“أبي الغالي .. ليتني كنت معكم… رمضان دونكم وبعيدا عنكم سيكون صعبا وبلا طعم “.
توقفت عند هذه الجملة حيث بدت لي أثقل من أن تُحتمل لأنها زفرة شوق خرجت من صدرٍ صغير يحمل كل الحنين والاشتياق لدفء بيت اعتاده قلبه قبل جسده.
هذا أول عام يغيب فيه عن الدار.. سافر باحثا عن حلمه، حاملا طموحه وبعضا من أنفاسنا العالقة في روحه.. كان فرِحا بأن جناحيه قويتا وأصبحتا قادرتين على التحليق بعيدا عن العش الذي تربى فيه لكن حين أقبل رمضان انكشف على داخله وأدرك أن الغربة ليست في بعد المسافات بل بما تفتقده من تفاصيل صغيرة.. صوت الأم وهي تعد الإفطار ورائحة الطعام التي تسبق الأذان ودعاء الوالدين وتلك الطمأنينة التي تمنحها البيوت .
رمضان بعيدا عن الأهل والدار صيام مضاعف: صيام عن الطعام… وصيام عن الوجوه التي نحب وعن الأصوات التي تألفها أرواحنا وعن حضن المكان .
هناك من استقبلوا شهر رمضان بكل الحزن والألم تحت خيام النزوح أو في بلاد اللجوء، موائدهم من كِسرة الصبر المرير.. يصومون على توق موجع لملامح رمضان الذي ألفوه في السودان لأنه هناك يمثل ذاكرة جمعية نابضة حيث التحلق البديع في الفضاءات المفتوحة والطقوس التي لا مثيل لها .. الناس في السودان رمضان عندهم اجتماع على المحبة قبل الطعام …
كم من قلوب تفطر في رمضان على الشوق قبل التمر وتبتلع الدموع مع أول جرعة ماء .. وكم من أعين تترقب الغروب وهي تحدّق بعيدا في أفق الآمال .. وكم من مفجوعين بفقد أحبة طوتهم الحرب في جوفها الحارق .. كانوا حضورا يزينون الحياة ويجملون ليالي رمضان..
لك يا بُنيّ …ولكل من صام هذا الشهر الكريم بعيدا عن الأهل والديار ولكل الساهرين على ثغور الوطن في الخنادق .. دعوات صادقة بأن يجمع الله شتات قلوبكم ويردكم سالمين ويكتب لكم أجر الصابرين… وثواب المشتاقين..
رمضان كريم
كل عام وأنتم إلى الطمأنينة أقرب












