بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
مع بداية امتحانات الشهادة السودانية لهذا العام، وبعيد الانتهاء من مادة التربية الإسلامية ظهرت الطالبة (نهاد) وهي في حالة قريبة من الانهيار النفسي، تندب حظها العاثر وتشكـو من صعوبة الامتحان الذي خالف توقعاتها، حيث إنها حفظت سورة النور عن ظهر قلب، ثم فوجئت بأنه لم يأتِ سؤال منها، رغم أن جل المقرر يدور حولها!
كما أن نهاد دفعت في الـ *spotting* مبلغ *500 جنيه*، إلا أنه لم يجدِ نفعاً! واشتكت كذلك من تجهم وجوه المراقبات، فهي رأت أن “وشوشهن ما مطمئنة!” و”تحسبنت” من المراقبتين اللتين حالتا بينها وبين استخراج “بخراتها”!
ملخص كلام الطالبة نهاد أنها ترى أن الغش في الامتحانات متاح، وأن “فك المراقبة” أمر واجب حتى لا تجتمع صعوبة الامتحان مع صرامة المراقبات.
وتوالت ردود حول فيديو الطالبة نهاد، غالبيتها يحمل عليها وعلى ضعف مخرجات التعليم. ورغم أن الموضوع مضحك مبكٍ في آن، إلا أنه يوضح سذاجة الطالبة، ومثلها كثيرات وكثيرون من طلابنا. ولعلي أوضح هنا أن الطالبة نهاد وغيرها من الطالبات والطلاب هم ضحية لسياسات تعليمية وعادات اجتماعية خاطئة، جعلت امتحانات الشهادة السودانية مخيفة مرعبة، فطريقة التلقين والحفظ وحل الامتحانات السابقة تنتج طلاباً يحفظون ويتفوقون في إجابات الأسئلة المباشرة، لكنهم لا يحسنون التعامل مع أسئلة الفهم غير المباشرة، وهذا من أسباب شكوى الطالبة نهاد!
كما أن الشحن النفسي الذي يرافق إعلان الشهادة يجعل منها معركة حقيقية، فالتكبير والزغاريد والتهليل والدموع تنقل مباشرة على شاشات التلفاز دون مراعاة لمشاعر متواضعي الدرجات الذين يتحسرون وأسرهم على إخفاقهم وتدني درجاتهم.
صحيح أن الشهادة السودانية تُعد مفصلية وراسمة مستقبل طلابنا وطالباتنا، ولكن يجب ألا تضخم بهذه الصورة التي نشهدها في السنوات الأخيرة، فهي ليست خاتمة المطاف، ففرص الإعادة متاحة، والكليات الجامعية تقبل جل الطلاب. كما أن على وزارة التربية والتعليم ألا تُحمل إعلان الشهادة أكثر من الطاقة باستدعاء أسر المتفوقين وأساتذتهم ليكون إعلانها أقرب للتظاهرة التي تخدم النصف الممتلئ من الكوب، وتحبط الطلاب الآخرين وترهب الممتحنين العام القادم!
ورغم أن الطالبة نهاد لم تبكِ إلا أنها كادت، وقد رأيت باكيات غيرها، وهي رغم اعتذارها عما بدر منها إلا أنها كانت صادقة في نقل مشاعرها بسذاجة طفولة مما يدعونا لمعالجة الخلل في تعاطينا مع امتحانات الشهادة السودانية وإعلانها!













