داليا الأسد
حقيقةً، يظلّ رمضان أحلى في السودان بفضل طقوسه الفريدة التي تمزج بين الروحانية العالية والكرم الاجتماعي الذي لا يُضاهى. ومع توقعات فلكية بأن يبدأ رمضان الأربعاء او الخميس، تبقى العادات السودانية الأصيلة جوهر جمال هذا الشهر العظيم ومصدر تميّزه.
ومن أبرز ما يجعل رمضان مميزًا في السودان الإفطار الجماعي المعروف بـ«الضرا»، وهو من أجمل التقاليد الراسخة؛ إذ يخرج الرجال والشباب قبل أذان المغرب لفرش «البروش» في الشوارع والساحات العامة، في دعوة مفتوحة للمارة وعابري السبيل لمشاركتهم الإفطار، في مشهد يعكس روح التكافل والتضامن الاجتماعي بأبهى صوره.
ومن أشهر المشروبات الرمضانية في السودان مشروب «الحلو مر» (الآبري)، وهو سيد المائدة بلا منازع. ويُحضَّر قبل حلول الشهر بأسابيع عبر عملية دقيقة تبدأ بتزريع الذرة (الزريعة)، ثم طحنها وإضافة توابل خاصة، قبل خبزها في شكل رقائق رقيقة.
ولا تكتمل المائدة الرمضانية دون الأطباق التقليدية، وعلى رأسها العصيدة التي تُقدَّم مع «ملاح النعيمية» أو «التقلية»، إلى جانب البليلة بأنواعها المختلفة (العدسية، الكبكبية، أو بليلة الحَبّة)، والقراصة التي تُقدَّم مع «الدمعة» أو التقلية أو الخضرة والبامية المفروكة.
ويمتاز رمضان في السودان بأجوائه الروحانية العامرة؛ إذ تمتلئ المساجد والزوايا بالمصلين لأداء صلاة التراويح، وتنشط خلاوي القرآن الكريم وحلقات الذكر والإنشاد الديني. ومن حسن الحظ ان رمضان هذا العام سيصادف نهاية فصل الشتاء، ما يعني أجواءً معتدلة ولطيفة تساعد على الصيام، مع ساعات صيام تقترب من 14 سلعة تقريبًا.
وقد بدأت المبادرات الاجتماعية مبكرًا من الجهات الرسمية والشعبية، مثل ديوان الزكاة، عبر تدشين برامج «فرحة الصائم» وتوزيع السلال الغذائية على الأسر المتعففة استعدادًا للشهر الفضيل. ورغم الظروف الصعبة، يظل السودانيون متمسكين بعبارة «رمضان أحلى في السودان» كشعار يختزل الحنين للّمة والأهل وقيم التكافل الراسخة.
ومن أبرز الأمثال الشعبية المرتبطة بالشهر الكريم قولهم: «إن هلّ زل»، في إشارة إلى سرعة انقضاء أيام رمضان، حثًا على اغتنامها بالطاعة. ويُقال كذلك «صام وفطر على بصلة» للدلالة على نتيجة غير مجزية قياسًا بالجهد المبذول، و«عشر دشر» تعبيرًا عن قرب رحيل الشهر. أما «الرحمتات» فهي عادة سودانية في الخميس الأخير من رمضان، حيث يُوزَّع الطعام تعزيزًا لقيم التكافل.
ومن العادات القديمة أيضًا «المسحراتي»، الذي يجوب الأحياء ضاربًا على الطبل لإيقاظ الناس للسحور. ورغم تراجع حضوره في المدن، فإنه لا يزال قائمًا في بعض الأحياء والأرياف حفاظًا على هذا الموروث الشعبي.
وهكذا تكتمل اللوحة الرمضانية في السودان بمظاهرها المتنوعة، حيث تتناغم القيم الدينية مع العادات الاجتماعية في صورة فريدة، تجعل من الشهر المبارك فرصة لإبراز الكرم والشهامة والمروءة والترابط الأسري. وتبقى التحية المتبادلة «رمضان كريم» ويُرد عليها «الله أكرم» عنوانًا جامعًا للتلاقي، ونافذة مفتوحة لفيض الخير بين الناس.












