خليك دبلوماسي
محمد مأمون يوسف بدر
اللهم صلِّ وسلم على سيد المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أهنئ الأهل والأحباب في جميع ربوع السودان، وفي الأمة الإسلامية، بمناسبة قدوم شهر رمضان المبارك، أعاده الله علينا وعليكم بالخير والبركة والسعادة. كما أغتنم هذه الفرصة لتحية قواتنا المسلحة والقوات النظامية الأخرى، والمرابطين في الثغور، سائلين الله أن ينصرهم ويثبت أقدامهم.
من وجهة نظري، لرمضان طعم خاص مع الأحباب في السودان، لكن هذا العام يختلف عن كل عام. فبعد ثلاث سنوات من الحرب التي فرقتنا وشردت الأهل في كل اتجاه، ها هي الحياة تعود رويدًا رويدًا إلى بعض مدننا. في الخرطوم، وفي الجزيرة، وفي كردفان، بل في معظم أنحاء السودان، باستثناء مناطق محدودة، عادت البيوت لتكتسي بحلّة الشهر الكريم. عادت موائد الرحمن، وفاحت روائح عواسة الإبري والكنافة والقراصة من أحياء أم درمان القديمة التي خيم عليها الصمت طويلًا.
هذا العام لرمضان طعم خاص جدًا؛ إنه طعم العودة بعد الغياب، وطعم الحياة التي تنتصر على الموت. الأمهات اللواتي كنّ في المخيمات يعدن ليجهزن إفطار العائلة في بيوتهن التي تركتها الحرب موصدة. الأطفال الذين عاشوا في بلاد الاغتراب عادوا ليمارسوا طقوسهم القديمة: شرب الحلو مرّ، وقمر الدين، والتبلدي، وصلاة التراويح في المساجد التي أُعيد فتحها، والسحور الذي له نكهة تنعش في ذاكرة كل منا. إنه رمضان يحمل في طياته دلالة قوية على أن السودان لا يموت، وأن شعبًا بهذه الصلابة يستحق الحياة.
أما نحن هنا في بريطانيا فالأمر مختلف. نحاول جاهدين أن نصنع من الغربة وطنًا صغيرًا، لكن قلوبنا تظل معلقة بتلك الأجواء. نجتمع في قاعات مغلقة، ونعد إفطارات جماعية يغلب عليها الطعام الجاهز، ونجلس مع العائلات السودانية التي صارت جزءًا من المشهد. لكنني شخصيًا لم أشعر برمضان كما أشعر به في السودان، رغم كل المحاولات الجميلة لاستحضار الأجواء، ورغم أصوات التكبير التي تملأ المراكز الإسلامية. وحتى صوت الأذان يأتي داخل المباني المغلقة، فيبقى رمضان في السودان بطعمه المختلف.
لن أنسى لمة الأهل حول مائدة واحدة في الشارع، وإغلاق الطريق لإفطار المسافرين، وسماع أذان المغرب عبر صوت الإذاعة السودانية عند انقطاع الكهرباء. كل هذه التفاصيل الصغيرة تصنع الفرق الكبير.
رمضان هذا العام في السودان ليس مجرد شهر للصيام والقيام، بل هو احتفاء بالحياة من جديد. رسالة أمل تقول إن الحرب مهما طالت ستنتهي، وإن البيوت المهدمة ستُعاد، وإن شعبًا يعشق الحياة سيبقى رغم كل شيء.
حفظ الله السودان وأهله، وأعاده علينا جميعًا بالخير والبركات. وكل عام وأنتم بخير.












