من حلة خوجلي إلى الأهلي المصري… حكاية اللاعب الذي لا يُنسى
من أرشيف هلال الحركة الوطنية
صلاح المنهراوي أطلق عليه لقب “السد العالي”
مدافعٌ يتنقّل بين المراكز… ويغلق الطريق على المهاجمين
لاعبٌ صنع المجد ثم علّم الأجيال
حين قالت الصحافة المصرية: السد العالي الأهلاوي!
الحياء منعه الاتصال برئيس الهلال .. وتوفي في القاهرة عام 1998 ..
عبدالمنعم عثمان (ديم الكبير) ـ آكشن سبورت
في أرشيف الهلال، تظل بعض الأسماء عصيّة على النسيان؛ لأنها لم تترك أثرًا داخل الملعب فحسب، بل صنعت مدرسة في الانضباط والفهم التكتيكي والهيبة. ومن بين تلك الأسماء يبرز الراحل سليمان محمد فارس (السد العالي)، الذي بدأ من “كرة الشراب” في حلة خوجلي، قبل أن يشق طريقه إلى الهلال، ثم إلى الاحتراف في جدة، فالقاهرة مع الأهلي المصري، ليعيش تجربة فنية ثرية بين عواصم الكرة العربية. لم تكن مسيرته مجرد محطات انتقال، بل كانت رحلة لاعب متكامل يجيد أكثر من مركز، ويحفظ للأندية والمنتخبات ملامح زمنٍ جميل. وفي هذه المادة، نُعيد قراءة سيرته كما وثقها الباحث عبدالمنعم عثمان (ديم الكبير)، مع إضاءات على لقبه الأشهر، ومواقفه التدريبية، ومبارياته الخالدة، وصولاً إلى رحيله بالقاهرة عام 1998م.
حلة خوجلي .. الميلاد والنشأة
وُلد سليمان محمد فارس داؤود عام 1933م بحلة خوجلي في الخرطوم بحري، وأكمل تعليمه حتى المرحلة المتوسطة. بدأ حياته الرياضية بممارسة “كرة الشراب” مع أقرانه في الحلة، مشبعًا بموهبته الفطرية، ولعب لفريق الحي (نادي العامل)، ثم سُجّل لفريق التحرير البحراوي عام 1949م. وفي عام 1950م انتقل إلى الهلال العاصمي، وعاصر عمالقة الكرة في ذلك العصر الذهبي أمثال الأمير صديق منزول، عثمان الديم، فيصل السيد، سبت دودو، الهادي صيام وغيرهم.
وفي عام 1951م التحق بفريق الأهلي جدة محترفًا، ثم انتقل إلى الأهلي المصري عام 1953/1954م، وتألق مع جيل الخمسينات الذي ضم مكاوي، صالح سليم، حسين مدكور، عبد الجليل، همامي، توتو، فؤاد صدقي، حلمي أبو المعاطي… إلخ. عاد لاحقًا إلى الهلال ولعب له موسمين متتاليين (1955م–1956م)، ثم عاد مرة أخرى للأهلي المصري ولعب موسم 1958م، قبل أن يختتم مسيرته لاعبًا بالهلال في موسمي 1959م–1960م.
مدرسة خاصة
بعد الاعتزال اتجه سليمان فارس إلى التدريب، فتولى تدريب عدد من الفرق، منها الهلال العاصمي، التحرير البحراوي، حي العرب بورتسودان، الزهرة الأمدرماني، الاتحاد البحراوي وغيرها، كما أشرف على تدريب الفريق القومي العسكري السوداني، وتولى تدريب منتخب الخرطوم الذي واجه ليفربول الإنجليزي بطل أوروبا مطلع الثمانينات في المباراة الشهيرة التي انتهت بالتعادل 1/1.
السد العالي
حكى سليمان فارس قصة ارتباطه بلقب السد العالي ، في لقاء مع الملحق الرياضي لصحيفة الصحافة عام 1982م قائلاً: إن الكاتب صلاح المنهراوي أطلق عليه لقب “السد العالي” في مجلة روز اليوسف عام 1953م، بعد أول مباراة لعبها مع الأهلي المصري أمام الزمالك، لأنه كان يتحول بين الظهيرين طوال زمن المباراة ويغلق الطريق أمام المهاجمين.
الفريق الأهلي
اختير سليمان فارس لأول فريق أهلي سوداني تم تكوينه عام 1956م، وشارك في أول مباراة ودية ضد إثيوبيا يوم 13/5/1956م، والتي انتهت بفوز السودان (5/1)، ونال نجومية اللقاء. كما كان ضمن الفريق الذي زار الصين والاتحاد السوفيتي سابقًا في نهاية عام 1956م.
إشادة أهلاوية
ومما كُتب عنه في موقع النادي الأهلي المصري: أن أداء “العملاق الأسمر السوداني” كان محورًا في انتصارات الأهلي، وفي إحدى مباريات القمة أمام الزمالك بالخمسينات قطع “المياه والنور” على مهاجمي الزمالك، وحجب وصولهم لمرمى عبد الجليل حميدة، حتى أن جريدة الجمهورية صدرت بصفحة رياضية تتصدرها رسمة كاريكاتيرية له وهو يضع مهاجمي الزمالك في “جيب الشورت”.
أهداف ومواقف
من أشهر أهدافه هدفان في مرمى المريخ، وهدف في مرمى الهلال حين كان لاعبًا بالأهلي المصري في مباراة ودية عام 1954م. كما أحرز هدفًا في مرمى الهونفيد المجري “صاروخًا” من خارج خط 18، حفظ ماء وجه الهلال في مباراة انتهت 9/1 للهونفيد. ويُنسب إليه إطلاق النغمة الشهيرة “الموردة بتلعب” عام 1955م بعد فوز الموردة على الهلال.
وكان سليمان فارس لاعبًا متكاملًا: قوام رياضي ممشوق، إجادة لفنون اللعبة، وقدرة على اللعب في أكثر من مركز. ومن طرائف فهمه لسيكولوجية اللاعب السوداني: حين يطرد الحكم لاعبًا من الخصم، قد يلعب الفريق السوداني أفضل لتعويض النقص، فكان في إحدى مباريات الزهرة – عندما طُرد لاعب من الخصم – يسحب لاعبًا من فريقه ليحفز لاعبيه على بذل المزيد من الجهد!
دروس نحتاجها
- في مباراة التحرير ضد المريخ، ومع بداية الشوط الثاني أراد تبديل لاعب، فتعالت الجماهير بالشتائم على اللاعب؛ فأشار له بالبقاء حتى النهاية، رسالةً برفض الإساءة وعدم الخضوع لتدخل الجمهور في قراره الفني.
- في بورتسودان، همس سكرتير الهلال في أذنه أثناء مباراة، فصرخ: “هل تدخلت أنا يومًا في تجارتك وبضاعتك؟” فضحك الجميع، ومن يومها لم يتدخل إداري في عمله.
- وفي موقف غريب، أمر لاعبًا جيدًا بالخروج دون وجود تبديل، وأكمل بعشرة لاعبين وانتصر، ثم قال: اللاعب “كان يتحرك كثيرًا لكنه يلعب على هواه ولا يلتزم بالخطة”.
من طرائف “السد”
- علّق على رأسية لمحمد سعيد (جميس) في تدريب: “اللعبة جميلة… يا محمود بس ما عندناش كدرات للرأس.”
- وحين تأخر حارس جديد في نادي التحرير بسبب قطار بحري: قال ساخرًا لمدير الكرة عثمان الحاج (الأنطون): “يا عثمان بالله تاني ما تسجل لينا لاعب ساكن بعد القضيب.”
مدرسة السد العالي
افتُتحت عصر السبت 15/5/2010م باستاد التحرير مدرسة سليمان فارس للبراعم والناشئين والشباب، وسط حضور رياضي معتبر، واستُهل الاحتفال بطابور عرض للفئات السنية، وأقيمت فقرات متنوعة، في مبادرة تُجدد المعنى: أن الأسماء الكبيرة لا تغيب إذا تحولت إلى مؤسسات.
أسرته رياضية
ينتمي السد العالي لاسرة رياضية ، وانجبت شقيقته سعدية لاعب التجرير المعروف شوقي فضل المولى، وأشقاء الراحل هم : النجاشي، نورة، عبد الرحمن، نصر الدين، أيوب (الكروان)، سعدية يوسف… مع شكر خاص لكابتن شوقي فضل المولى الذي قدّم هذه الإضاءات.
الرحيل بالقاهرة
توفي سليمان فارس عام 1998م بمدينة القاهرة. وكان يعاني من القلب وسافر لإجراء عملية، ورفض – في موقف يُشبهه – الاتصال لتهنئة رئيس الهلال بعد فوز مهم حتى لا يُفهم أنه يطلب مالًا للعلاج. نجحت العملية ثم تدهورت حالته، وتوفي صباح الأحد، وصُلّي عليه بمسجد رابعة العدوية ودُفن بالقاهرة حسب وصيته.
رحم الله سليمان فارس (السد العالي)؛ فقد كان لاعبًا ومدربًا ورمزًا. سيرةٌ تتجاوز حدود نادي واحد، لأنها تحكي زمنًا كان فيه اللاعب مشروعًا وطنيًا، وواجهةً للأخلاق قبل المهارة، وللفهم قبل الاندفاع.












