بين اختيار الأغنية والتوزيع ومسؤولية المؤسسة الفنية
بقلم ـ بشرى سليمان
لم تكن مشاركة الفنان مأمون سوار الذهب في السهرة الختامية للدورة السادسة والعشرين للمهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون، مساء 24 سبتمبر 2026 على مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة في تونس، مجرد إطلالة لفنان سوداني على مسرح عربي، بل كانت اختباراً لقدرة الأغنية السودانية على الخروج من سياقها المحلي إلى فضاء موسيقي مختلف.
ومن هنا فإن اختزال ما حدث في سؤال: «هل نجح مأمون أم أخفق؟» يضيّق القضية أكثر مما يفسرها. فالأداء يمكن مناقشته من حيث الضبط النغمي والحضور والتعبير، والأغنية من حيث ملاءمتها للمناسبة، والتوزيع من حيث علاقته بالبناء الأصلي للحن. لكن السؤال الذي يسبق ذلك كله: هل كان اختيار الفنان والأغنية والإعداد للمشاركة قائماً على رؤية فنية واضحة؟
فالفنان حين يغني داخل بيئته يخاطب جمهوراً يعرف لغته الموسيقية ومفرداته وإيقاعاته، أما عندما يقف على مسرح عربي واسع فإنه يدخل في علاقة مختلفة مع المستمع والأوركسترا والمكان. والمطلوب هنا أن يعرف كيف يحمل خصوصيته إلى الآخر دون أن يفقد روحها.
مسؤولية الاختيار
رأى البعض أن مأمون لم يخفق في الغناء بقدر ما كان اختيار الأغنية غير موفق، وهي ملاحظة تفصل بين الفنان والعمل. فقد يمتلك المغني صوتاً جميلاً وموهبة حقيقية، لكنه يختار أغنية لا تمنحه المساحة الكافية لإظهار إمكاناته، أو يقدم عملاً شديد الخصوصية أمام جمهور يحتاج إلى مدخل يساعده على اكتشافه.
وليس معنى ذلك أن يتجرد الفنان السوداني من هويته حتى يصبح مفهوماً. اللهجة ليست عيباً، والمفردة المحلية ليست عبئاً ينبغي الاعتذار عنه. السؤال هو: كيف تتحول الخصوصية من حاجز أمام الآخر إلى نافذة تدعوه للدخول؟
ليس المطلوب أن نُخرج من الأغنية كل كلمة سودانية، كما ليس مطلوباً أن نقدم حمولة ثقافية كاملة ونطالب المستمع بفهمها وحده. الفنان المتمكن يجعل الغريب مألوفاً دون أن يفقده خصوصيته.
الأغنية والتوزيع
الأغنية التي قدمها مأمون تنتمي إلى فضاء الغناء الشعبي ذي البناء اللحني الدائري، حيث تعود الجملة الأساسية واللازمة وتتكرر. وهذا ليس فقراً موسيقياً، فالتكرار أحد عناصر جمال الكثير من الأشكال الغنائية الشعبية.
لكن التحدي يبدأ عند نقل هذا البناء إلى أوركسترا كبيرة. فالسؤال لا يعود: هل تستطيع الفرقة عزف اللحن؟ بل: كيف يُوظف اللحن داخل هذه الكتلة الصوتية؟ وكيف تتحول الجملة المتكررة إلى مساحة للتنويع والحوار بين الآلات؟
وهنا انقسمت الآراء حول المعالجة الموسيقية للمايسترو التونسي راسم دمق؛ فبينما رأى البعض أنها أضافت تنويعات وحركة إلى العمل، رأى آخرون أنها ابتعدت عن الروح الأصلية للحن.
ولا ينبغي تحميل الموزع المسؤولية لمجرد أنه غير سوداني، فالموسيقى عابرة للحدود، لكن الموسيقى السودانية ذات الجذور الشفاهية تحمل تفاصيل لا تستوعبها النوتة وحدها: طريقة النطق، والحليات، والإحساس الإيقاعي، وطريقة سحب الجملة.
ولهذا لا تغني النوتة عن البروفات. النوتة تخبر العازف ماذا يعزف، أما البروفة فتجعله يعرف كيف يتنفس العمل كله في لحظة واحدة.
نقد لا محاكمة
أما مأمون نفسه، فقد طُرحت ملاحظات حول الضبط النغمي في بعض المواضع، وقوة الصوت والحليات والحضور. وهذه ملاحظات فنية مشروعة، لكن هناك فارقاً بين نقد الأداء وإصدار حكم نهائي على الفنان.
أن تقول للفنان إن النغمة لم تكن منضبطة في موضع معين هو نقد، أما أن تقول إنه لا يصلح للغناء فهو حكم يتجاوز التجربة إلى صاحبها.
وليس كل نقد تنمراً، كما أن الدفاع عن الفنان ليس دائماً إنصافاً. للمستمع حق أن يقول «لم أطرب»، لكن ذائقته الشخصية ليست قانوناً موسيقياً، وللمتخصص حق تحليل الأداء دون أن يتحول النقد إلى إهانة.
مسؤولية المؤسسة
ويبقى السؤال الأهم: من اختار مأمون والأغنية؟
الفنان الذي يمثل بلاده في محفل عربي لا ينبغي أن يُدفع إلى المسرح ثم يُترك وحيداً لمواجهة النتائج. فمسؤولية المؤسسة تبدأ باختيار الفنان المناسب للمناسبة، ثم اختيار العمل الذي يكشف أفضل ما في صوته ويقدم صورة مقنعة عن الموسيقى السودانية.
ثم تأتي مرحلة الإعداد: مراجعة التوزيع، والتنسيق مع المايسترو، وإجراء بروفات حقيقية، مع أهمية وجود أذن موسيقية سودانية تستطيع نقل التفاصيل التي لا تحملها النوتة وحدها.
وكان من الممكن تسجيل البروفات ومراجعة الصوت والضبط النغمي والتوازن بين المغني والأوركسترا والكورس قبل اتخاذ القرار بأن العمل أصبح جاهزاً.
تجربة للتعلم
تحميل مأمون وحده مسؤولية ما حدث يضيّق مساحة النظر. يمكن نقد أدائه واختياره للأغنية والجوانب الواقعة ضمن مسؤوليته، لكن إذا كانت جهة مؤسسية رشحته وأشرفت على المشاركة، فإن لها نصيباً من المسؤولية.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تصبح مسؤولية المؤسسة ذريعة لإعفاء الفنان من النقد. فالمشاركة الخارجية درس في الاختيار والأداء والحضور والتعامل مع الأوركسترا، والنقد الجاد يفترض أن يطور الفنان لا أن يغلق الطريق أمامه.
القضية إذن ليست «مأمون ضد النقاد» ولا «النقاد ضد مأمون»، وإنما: كيف نخرج بالفن السوداني من عفوية الموهبة إلى وعي التجربة؟
السودان لا تنقصه الأصوات ولا الألحان ولا التنوع، لكنه يحتاج إلى عقل فني يختار قبل أن يقدم، ويعرف أن تمثيل الوطن ليس مجرد رفع راية فوق المسرح، بل مسؤولية لصياغة صورة جمالية تليق بتاريخه.
فليغنِّ السودان بلهجته، وليحمل خصوصيته إلى العالم، ولكن بعين تعرف ماذا تختار، وأذن تعرف ماذا تسمع، وموسيقى تعرف كيف تجعل الآخر يصغي.
عندها لا تكون المحلية قفصاً، ولا العالمية ذوباناً، بل تصبح المحلية الطريق الذي يعبر منه السودان إلى العالم.












