جمع بين الطب والرياضة وخدمة الوطن وظل وفياً للأحمر
شيموناك ينادي ثلاثاً.. والصمت يعلن النهاية الحزينة
كلمات إعجاب بتدريب حموري سبقت اللحظات الأخيرة
بعثة الأحمر تعود من الكاميرون محملة بالأحزان
من القصر العيني إلى قيادة مستشفى العائلات
قصيدة صديق الوالد توثق فرحة النجاح الكبير
أبناءه ساروا على دروب العلم والعمل والرياضة
وعود التكريم تتبخر رغم مرور عقود طويلة
مرضاه يحددون الأتعاب تقديراً لظروفهم المعيشية
أسماء المواليد تحفظ الذكرى في بيوت السودان
عماد أحمد ـ آكشن سبورت
لم يكن الدكتور الراحل شرف الدين الطيب مجرد طبيب متخصص في أمراض النساء والتوليد، بل كان واحداً من رجالات المريخ الأوفياء الذين جمعوا بين العمل الطبي والنشاط الرياضي وخدمة المجتمع. فمن شمبات، حيث نشأ وترعرع، إلى كلية الطب بالقصر العيني في القاهرة، ثم مستشفيات السودان وملاعب كرة القدم، امتدت مسيرة حافلة بالعطاء الإنساني والرياضي، قبل أن تتوقف بصورة مفاجئة في الثامن من مايو عام 1978، حين وافته المنية في الكاميرون أثناء مرافقته بعثة المريخ، تاركاً وراءه سيرة عطرة في مجتمعه وأسرته والنادي الذي أحبه وأخلص له.
النشأة والتعليم
وُلد الدكتور شرف الدين الطيب عام 1927 بمدينة شمبات الغربية، وتلقى تعليمه الأولي بشمبات، ثم انتقل إلى المرحلة الوسطى بمدينة بحري، قبل أن يواصل دراسته الثانوية بأم درمان، في المدرسة التي أصبحت آنذاك تُعرف بوادي سيدنا الثانوية.
بعد ذلك، التحق بكلية الطب بجامعة القاهرة «القصر العيني»، حيث تخصص في أمراض النساء والتوليد، وتخرج عام 1954 حاصلاً على درجة البكالوريوس بتقدير امتياز.
والراحل هو الشقيق الأكبر لكل من البروفيسور عبدالعزيز الطيب، والبروفيسور يحيى الطيب، والبروفيسور كمال الطيب، والأستاذ الراحل صلاح الطيب.
عشق الرياضة
كان الدكتور شرف الدين الطيب محباً للرياضة، وشديد التشجيع لنادي المريخ، وله اهتمامات رياضية متعددة. ففي عام 1948، أسس مع صديقيه محيي الدين الجيلاني ومحمد عبدالله محمود نادي التعاون الرياضي.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح عضواً وإدارياً في نادي المريخ، وظل مرتبطاً بالنادي حتى خلال سنوات دراسته الجامعية بالقاهرة.
فرحة شمبات
ينحدر الراحل من أسرة شكلت جزءاً من مجتمع «حيشان شمبات»، وقد عُرف برعايته واهتمامه بهذه الأسر والبيوت، خاصة بعد عودته من القاهرة حاملاً شهادة البكالوريوس بدرجة الامتياز من كلية الطب بالقصر العيني.
وقد كان نجاحه مصدر فخر لأسرته وأقاربه وأهالي شمبات، الذين انتظروا هذه اللحظة ست سنوات، واستقبلوا عودته بفرحة كبيرة.
ومن بين الذين عبّروا عن سعادتهم بهذا الإنجاز صديق والده المقرب، الطيب حاج إبراهيم، الذي نظم قصيدة بهذه المناسبة، جاء في مطلعها:
بوادر السعد طلعت نحو وادينا والغيث منهمر أروى بوادينا
وحملت القصيدة معاني جميلة ووصايا غالية، من بينها:
وارعَ الفقير إذا ما جاء معتذراً فإن أرضيته لا شك ترضينا
وقد تركت هذه الوصية، التي جاءت من صديق والده، أثراً واضحاً في حياة الدكتور شرف الدين، وكانت امتداداً للمنهج الذي نشأ عليه.
إنسانية الطبيب
انعكست تلك القيم على تعامله مع المرضى، إذ كان يراعي ظروفهم المادية، ويترك لهم تقدير المقابل المناسب للعلاج، حتى إن ما يتقاضاه كان في كثير من الأحيان رمزياً، يحدده المريض وفق استطاعته.
وظل الراحل مولعاً بخدمة الإنسان من خلال مهنة الطب، ومحباً للمشاركة الاجتماعية، وقد انعكست هذه الروح على بقية أفراد أسرته.
ورغم إسهاماته الكبيرة، لم تجد جهوده ما تستحقه من توثيق وإبراز، خاصة أن دراسته الجامعية جاءت في فترة كانت فيها الظروف التعليمية بالغة الصعوبة، والبلاد لا تزال تحت الحكم الاستعماري.
وعلى الرغم من أن الدكتور شرف الدين لم يكن صاحب نشاط سياسي، فإنه كان وطنياً مخلصاً، وعُرف ببساطته وتواضعه، وهي صفات لازمته منذ نشأته في شمبات.
الخدمة العسكرية
التحق الدكتور شرف الدين الطيب بالقوات المسلحة السودانية في 15 مارس 1971، وعُيّن قائداً لمستشفى العائلات بالسلاح الطبي.
وكان من الشخصيات التي تعمل في صمت وتساعد الآخرين دون انتظار مقابل أو امتنان، وقد تجلى ذلك في تقديم خدماته الطبية للاعبي كرة القدم دون تمييز بين الأندية التي ينتمون إليها.
الطب الرياضي
أولى الراحل اهتماماً خاصاً بالطب الرياضي وتطويره، وشارك بفاعلية في الندوات التي نظمها اتحاد كرة القدم بالتعاون مع المختصين في الاتحاد الدولي عام 1977.
وإلى جانب مسؤوليته عن الشؤون الطبية بنادي المريخ، كان مسؤولاً أيضاً عن الشؤون الطبية للمنتخب الوطني السوداني، ورافق المنتخب في عدد من رحلاته الخارجية، مؤدياً واجبه تجاه الوطن.
خدمة الأقاليم
بعد عودته من القاهرة، عمل الدكتور شرف الدين الطيب في عدد من مناطق السودان، شملت بورتسودان وكسلا وسنار والفاشر، حيث أدى واجبه الطبي على أكمل وجه.
وقد حظي بتقدير واسع في المجتمعات التي عمل بها، حتى إن كثيراً من الأسر أطلقت اسمه على أبنائها الذكور تيمناً به، وأملاً في أن يحملوا شيئاً من صفاته وشخصيته.
ولم يتوقف إطلاق اسمه على المواليد عند حياته، بل استمر حتى بعد وفاته، تعبيراً عن مكانته في نفوس الذين عرفوه.
الأبناء والإرث
رغم أن الدكتور شرف الدين الطيب ترك بعد رحيله أبناءً لم يكن أكبرهم قد تجاوز الثالثة عشرة من عمره، فإنهم ورثوا نجاحه وقيمه أكثر مما ورثوا ملامحه الجسدية.
فقد سار ابنه خالد شرف الدين على خطى والده في حب المريخ والوفاء له، وأصبح من أقطاب النادي، وتولى منصب أمين الخزينة في عهد رئاسة جمال الوالي.
أما عاصم وسامي، فقد درسا المحاسبة وإدارة الأعمال، مثل شقيقهما خالد.
وفي الجانب الطبي، سارت ابنتاه الدكتورة منال، اختصاصية البصريات، والدكتورة نهى، اختصاصية طب الأطفال، على نهج والدهما في الاهتمام بالمرضى والعطف عليهم.
شخصية مرحة
كان الدكتور شرف الدين الطيب شديد الولع بالمريخ، وعُرف بروحه المرحة وحبه للطرفة، خاصة في المساجلات التي كانت تجمعه بأعضاء نادي الهلال.
كما كانت له محاولات في الشعر الحلمنتيشي، وكان منفتحاً فكرياً، لا ينتمي إلى جهة سياسية معينة، لكنه لم يكن يتردد في الوقوف إلى جانب الحق.
الرحيل بالكاميرون
سافر الدكتور شرف الدين الطيب إلى الكاميرون مرافقاً لبعثة المريخ بصفته إدارياً وطبيباً للفريق، وكان وقتها مساعداً لرئيس النادي الراحل حسن أبو العائلة.
وخلال وجوده هناك، كان يتحدث إلى مدرب الفريق شيموناك، وقال له:
«أنا مبسوط جداً من التمرين العنيف المرّنته لحموري اليوم».
وفجأة توقف عن الحديث، وأرجع يده خلف رأسه، فأخذ المدرب يناديه:
«دكتور.. دكتور.. دكتور».
لكن الطبيب كان قد فارق الحياة متأثراً بسكتة قلبية، وذلك في الثامن من مايو عام 1978، مخلفاً فراغاً كبيراً في مجتمع شمبات والوسط الطبي ونادي المريخ.
فاجعة ووعود
وصل جثمان الراحل إلى السودان برفقة عدد من الأطباء وقيادات نادي المريخ، وكان رحيله فاجعة لكل من عرفه.
وتزامنت وفاته مع صدور صحيفة «المريخ»، التي نقلت خبر رحيله، فيما صدرت وعود عديدة من النادي بتكريمه وتخليد ذكراه، إلا أن تلك الوعود، بحسب الإفادات التوثيقية لأسرته، لم تتحقق.
وفاء الأجيال
يُعد الدكتور شرف الدين الطيب واحداً من رجالات المريخ الأوفياء، ومن الرعيل الذي أسهم في إضاءة طريق النادي وترسيخ مكانته، من خلال عطائه في المجال الطبي وخدمته المتواصلة للرياضيين.
وقد أظهر خلال مسيرته وفاءً وتفانياً كبيرين، وظل مرتبطاً بالمريخ حتى اللحظات الأخيرة من حياته.
وكان من حسن حظ النادي أن توارث أبناؤه عشقه وانتماءه، امتداداً لأسرة عريقة عُرفت بحبها للمريخ ووفائها له.
وستظل ذكرى الدكتور شرف الدين الطيب حاضرة في وجدان جماهير المريخ، تتناقلها الأجيال تخليداً لمسيرته وعرفاناً بما قدمه من عطاء.
رحم الله أبا خالد رحمة واسعة، وجعل البركة في ذريته وأسرته.
المصدر: خالص الشكر والتقدير للأستاذ خالد شرف الدين الطيب، الذي قدم المعلومات الواردة في هذا التوثيق عن والده الراحل عبر البريد الإلكتروني عام 2010.



دكتور شرف الدين الطيب ايام الشباب












