خليك دبلوماسي
محمد مأمون يوسف بدر
في كل عيد تعود الأغنيات القديمة لتفتح أبواب الذاكرة وتوقظ في النفوس مشاعر الحنين والشوق. ومن بين الأغنيات التي حضرت بقوة أمامي في هذا العيد أغنية «شال النور» للشاعر إسحاق الحلنقي بصوت الفنان محمد الأمين. تلك الأغنية التي ظلت لسنوات طويلة واحدة من أكثر الأعمال التصاقاً بالوجدان السوداني في مواسم الأعياد واللقاءات.
«شال النور» ليست مجرد كلمات تُغنّى، بل حالة شعورية كاملة تختصر معنى الغياب وسط الفرح. ففي السودان يبقى العيد موسماً للوصال ولمّ الشمل، تعود فيه الوجوه الغائبة وتمتلئ البيوت بالأقارب والأصدقاء. لكن الشاعر اختار أن ينظر إلى الجهة الأخرى من الصورة، جهة الانتظار الذي لم يكتمل، والفرحة التي ينقصها شخص واحد، فيصبح كل الزحام بلا معنى.
ويأتي المقطع الشهير: «العيد الجاب الناس لينا ما جابك» ليحمل عمقاً إنسانياً بالغ التأثير. فكم من شخص عاش العيد هذا العام وهو يفتقد وجهاً عزيزاً غيبته المسافات، أو أبعدته ظروف الحرب، أو غيّبته الحياة نفسها؟ لذلك بقيت الأغنية حيّة في الذاكرة لأنها تعبّر عن شعور إنساني يتكرر مع كل مناسبة.
ثم يزداد الحزن شفافية في ذلك البيت العميق:
«لو وشوش صوت الريح في الباب
يسبقنا الشوق قبل العينين
ونعاين الشارع نلقاه
تائه في دموع المغلوبين»
هنا لا يصف الشاعر انتظاراً عابراً، بل يرسم لوحة كاملة لوحدة الإنسان في الغربة، حين يصبح صوت الريح بديلاً لخطوات الأحبة، ويغدو الشارع نفسه غارقاً في الحزن. لكنها أيضاً صورة تنتمي إلى زمن مختلف، زمن كانت فيه الأبواب تُفتح بلا خوف، وكانت الريح قادرة أن تهمس عند العتبات، فيهرع القلب قبل الأقدام.
أما اليوم، ففي الغربة تبدو الصورة أكثر قسوة ووحشة. حتى أبواب المنازل والشقق تظل مغلقة طوال الوقت، لا تُفتح إلا إذا اتصل شخص مسبقاً وعرفتَ من الزائر قبل أن يصل. لم تعد هناك تلك العفوية القديمة، ولا ذلك الطارق المفاجئ الذي يشبه الفرح. ولهذا يبدو سؤال الحنين أكثر إيلاماً: كيف للريح أن «توشوش في الباب» أصلاً، والأبواب نفسها موصدة دائماً؟ وكيف لصوت عابر أن يشبه خطى الأحبة في مدن صامتة لا تعرف سوى العزلة والانتظار؟
أما أداء محمد الأمين فقد منح النص بعداً وجدانياً استثنائياً. بصوته الدافئ وأسلوبه الموسيقي المميز، استطاع أن يحوّل الكلمات إلى تجربة شعورية حقيقية. كانت نبرة الحزن الممتزجة بالأمل، والهدوء الذي يسبق الانكسار، تجعل المستمع يشعر وكأنه يعيش القصة بنفسه. ولهذا ارتبطت الأغنية بالذاكرة، وأصبحت جزءاً من طقوس العيد لدى كثير من الأسر.
وفي الغربة تصبح هذه الأغنية أكثر قسوة. فالبعد عن الوطن لا يعني فقط الابتعاد عن المكان، بل الابتعاد عن تفاصيل صغيرة كانت تصنع معنى العيد: أصوات التكبيرات القادمة من المساجد القديمة والميادين، وضحكات الأهل، ووجوه الأحبة الذين وصلوا ليلاً من المدن الأخرى أو من خارج السودان وهم يتبادلون السلام والعناق.
هناك، في المنافي البعيدة، يستيقظ الإنسان صباح العيد محاطاً بالصمت، بينما تضج ذاكرته بكل ما فقده. فالغربة دائماً تستدعي الجراح القديمة، خاصة في صباحات الأعياد. كل شيء يوقظ الحنين: صورة عابرة، رسالة متأخرة، أو أغنية قديمة تنساب فجأة من هاتف بعيد. عندها يشعر المغترب أن المسافات ليست مجرد أميال، بل عمر كامل من الاشتياق.
وربما لهذا بدت كلمات الحلنقي هذا العام أكثر حزناً، وكأنها كُتبت خصيصاً لكل الذين أجبرتهم الظروف على أن يعيشوا العيد بعيداً عن الوطن، وكأنها تترجم ما يعجزون عن قوله. فالفن الحقيقي لا يشيخ، لأنه يلامس المشاعر الإنسانية الخالدة.
لقد أثبتت أغنية «شال النور» أن الكلمة الصادقة واللحن الجميل قادران على عبور الزمن، وأن الأغنيات العظيمة لا تُسمع فقط، بل تُعاش. ولذلك سيظل صوت محمد الأمين وكلمات إسحاق الحلنقي حاضرين كلما جلس شخص في غربته البعيدة يراقب صباح العيد بصمت، ويتمنى لو أن الطريق إلى الوطن أقصر من هذا الحنين الطويل.













