على حافة الضوء
د. عمار برهان
يحضر طاغور في الذاكرة الإنسانية بوصفه تجربةً حيةً تتجاوز حدود الزمن والجغرافيا يجد فيه القارئ الشاب صوتاً قريباً من أسئلته عن المعنى والحرية والحب ومكان الإنسان في هذا العالم، جمع رابندرانات طاغور بين الشعر والرواية والمسرح والموسيقى والرسم والتفكير التربوي، وصاغ من هذه الفنون رؤيةً واحدةً ترى الجمال طريقًا لفهم الحياة ومواجهة قسوته، ولد طاغور في كلكتا عام 1861 في أسرةٍ بنغاليةٍ ميسورةٍ شاركت بفاعلية في نهضة البنغال الثقافية والفكرية، كان والد طاغور من أبرز قادة حركة (براهمو ساماج) الإصلاحية، فنشأ الابن في بيتٍ يقدر التأمل والمعرفة والحوار، تلقى معظم تعليمه في المنزل على أيدي معلمين خاصين ثم سافر إلى إنجلترا وهو في السابعة عشرة، منحته هذه التجربة عقلاً مستقلاً ينظر إلى المعرفة باعتبارها رحلةً مفتوحةً وتجربةً تتشكل بالبحث والتأم، بدأ كتابة الشعر في طفولته وسرعان ما اتسعت موهبته لتشمل القصة والرواية والمسرحية والمقال والأغنية وجعل التفاصيل اليومية بوابةً لأسئلةٍ مصيريةٍ عن كيف يصنع الإنسان حريته الداخلية، وكيف يحمي قلبه من الخوف؟ وما قيمة التقدم حين يفقد المجتمع حسه الإنساني؟
ظهرت الطبيعة في أعماله بوصفها شريكاً للإنسان في الحزن والفرح، ومصدراً يعيد للروح توازنها، امتاز صوته بقدرته على تقديم الحكمة في صورةٍ شفافةٍ أو نغمةٍ هادئةٍ أو مشهدٍ بسيطٍ، تتحول الزهرة عنده إلى مرآةٍ للعمر، والطريق إلى سؤالٍ عن المصير، والحب إلى جسرٍ يصل الإنسان بالمجهول وتحمل قصائده هدوءاً ظاهراً وقلقاً وجودياً عميقاً، وتدعو إلى مصالحة الروح مع العالم والإنسان مع الطبيعة، جاء حضوره العالمي مع كتاب (قربان الأغاني) وهو مجموعةٌ شعريةٌ نقل طاغور جانباً منها إلى الإنجليزية، نال جائزة نوبل للآداب عام 1913، فصار أول أديبٍ من خارج أوروبا يفوز بها، وفتحت الجائزة نافذةً واسعةً أمام الأدب البنغالي، وأكدت قدرة الصوت المحلي الصادق على الوصول إلى وجدان البشر في كل مكان، نظر طاغور إلى التعليم باعتباره بناءً للإنسان بكامل طاقته العقلية والروحية، أسس في سانتينيكيتان مدرسةً تقوم على التعلم في رحاب الطبيعة، ثم تطورت الفكرة إلى جامعة (فيسفا بهاراتي) عام 1921وقد أرادها فضاءً يلتقي فيه الشرق والغرب باحترامٍ متبادلٍ، ويتعلم فيه الطالب السؤال والإبداع والاستقلال كما اهتم بالريف والفقراء ودعم مشروعاتٍ للتنمية والتعليم، وجعل الفلسفة ممارسةً يوميةً متصلةً بحياة الناس وحمل موقفه السياسي حساسيةً أخلاقيةً واضحةً، قاوم الاستعمار، وحذر من القومية المتعصبة التي تحول الهوية إلى جدارٍ فاصلٍ، حصل على لقب فارسٍ من التاج البريطاني ثم تخلى عنه عام 1919 احتجاجاً على مجزرة (جاليانوالا باغ) في أمريتسار، صار هذا الموقف علامةً على انسجام الكلمة مع الضمير وترك طاغور إرثاً واسعاً من القصائد والأغنيات والروايات والمسرحيات والقصص واللوحات، ومن أشهر أعماله (سادهانا) و(البستاني) و(الهلال) و(مكتب البريد)، (جورا)، و(البيت والعالم)، و(الطيور الشاردة)، كتب ولحن النشيد الوطني للهند كما أصبحت أغنيته (أمار شونار بنغلا) نشيد بنغلاديش كلها، وحضر اسمه في الثقافة السودانية في قصيدة (آسيا وأفريقيا) لتاج السر الحسن، حين جاء التعبير الشهير (صوت طاغور المغني) ثم حمل عبد الكريم الكابلي هذه الصورة إلى ذاكرة الغناء العربي كله بأداءٍ جميلٍ وآسرٍ، تكشف كتاباته أيضاً عن إيمانٍ عميقٍ بوحدة البشر، وبأن الاختلاف فرصةٌ للتعارف والنمو، كان يرى الحضارات أنهاراً تصب في بحرٍ جامعٍ، وأن الثقافة تزدهر بالحوار لهذا ظل منفتحاً على العالم مستفيداً من رحلاته ومحاضراته ولقاءاته مع مفكرين من الشرق والغرب في مراحل حياته المختلف، تقوم فلسفة طاغور على محبة الجمال والخير والإنسان والطبيعة، وعلى أن الحرية وفقاً لرؤيته تبدأ من الداخل عبر تحرير الروح من الخوف والكراهية والغرور، طاغور قاد نهجاً يمنح الفن الإنسان عيناً أكثر صفاءً ويعيده إلى الواقع بقدرةٍ أوسع على الفهم والتعاطف، توفي طاغور في كلكتا عام 1941 بعد حياةٍ امتدت ثمانين عاماً وبقيت أسئلته قريبةً من عصرنا فهي تذكرنا بقيمة التأمل وسط السرعة، وبأهمية الرحمة وسط الانقسام، وبقدرة الهوية على أن تكون جذوراً وأجنحةً معاً، وتبقى رسالته الأعمق أن الجمال حين يقترن بالعدل يصبح قوةً تغير الإنسان والعالم.













