مواقف وسوالف
خالد الضبياني
في مشهدٍ يوجع القلب ويختصر حجم المأساة، وقع الحادث المروّع على طريق مدني، حيث اصطدمت الحافلة بالبص بطريقةٍ مأساوية، حتى بدا وكأن الحافلة قد اخترقت جسد البص، لتخلّف وراءها عددًا كبيرًا من الضحايا بين قتيلٍ وجريح. لم يكن هذا الحادث مجرد قدرٍ عابر، بل نتيجة طبيعية لسلسلة طويلة من الإهمال والتقصير الذي ظلّ يحيط بهذا الطريق وغيره من الطرق.
هذا الطريق، الذي حصد أرواح الأبرياء، لم يكن يومًا طريقًا آمنًا. الحفر، وغياب الإشارات المرورية، وانعدام الصيانة، وسوء التنظيم، كلها عوامل ظلت قائمة، رغم معرفة الجهات المسؤولة بها. ومع ذلك، لم تُتخذ الإجراءات الكافية لحماية المواطنين. المفارقة المؤلمة أن هذه الجهات نفسها لا تتهاون في فرض الجبايات والرسوم، وكأن الأولوية ليست لسلامة الإنسان، بل لتحصيل الأموال.
كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ كيف تُطلب الرسوم من مواطنٍ يسلك طريقًا يهدد حياته في كل لحظة؟ وأين تذهب تلك الأموال إن لم تُصرف على تحسين البنية التحتية وضمان الحد الأدنى من السلامة؟
إن ما حدث ليس مجرد حادث سير، بل جريمة إهمال مكتملة الأركان. جريمة بحق أسرٍ فقدت أبناءها، وبحق مجتمعٍ يعيش أصلًا تحت ضغوط هائلة. فالشعب الذي أنهكته الحرب وذاق مرارات الفقد والتشريد، لم يعد يحتمل المزيد من الخسارات. الطرق التي يُفترض أن تكون شرايين حياة تحوّلت إلى مصائد موت، تُضاف إلى قائمة طويلة من المعاناة اليومية.
لقد علّمتنا سنوات الحرب أن الأرواح تُزهق بسهولة، لكن المؤلم أكثر أن يستمر هذا النزيف في زمنٍ يُفترض أن تُبذل فيه كل الجهود للحفاظ على ما تبقى. إن الاستهانة بحياة المواطنين، سواء بالإهمال أو التقصير، لا تقل فداحة عن أي خطرٍ آخر.
إن هذا الحادث يجب أن يكون نقطة تحوّل، لا مجرد رقم يُضاف إلى سجلات الحوادث. والمطلوب ليس بيانات تعزية، بل محاسبة حقيقية، وإصلاح جذري، وإرادة صادقة لوضع حد لهذا الاستهتار. فكرامة الإنسان تبدأ من حقه في طريقٍ آمن لا يُهدد حياته في كل رحلة.
رحم الله الضحايا، لكن الرحمة وحدها لا تكفي… ما لم تتحول إلى فعلٍ يمنع تكرار المأساة.













