تباشير
د. وليد محجوب
بدأت زهورها تتفتح عندما طرقت كلمات الغزل أسماعها، ربما لأول مرة. وتضلعت من لهجٍ مثل سقيا ماء بارد في نهار قائظ، كلما تجرعت المزيد زادت عطشاً. وانسدل ستار كثيف بينها وبين أهلها، فما عادت تراهم ولا تسمعهم. فكل حواسها الآن تستجيب لمن ألقى في شرايينها كلمات الحب، وأذاقها رعشة ارتداد الكلمات من جدار القلب. فالكون لا يسع أحداً معهما. لا أمٌ أرضعت ولا أب حرث الصخور بيديه ليوفر لها ولإخوتها عيشاً كريماً.
لكنها أكرمت عناء طلقات ولادتها وكَدِّ أبيها بهروبها مع من تحب. فنكَّست رأس أبيها بين الناس. ووضعت أمها موضع الاتهام، فالبنت سِرُ أمها قبل أن تكون سر أبيها. والأشجار المعطوبة لا تُخرج ثمراً يانعاً.
يا لبؤس المُرضعة. ويا لشنار العار على من ارتدى ثوب الوقار حتى هربت زهرته. وما أقبح طريق الهروب من وكَنٍ آمن إلى ملاذ تظنه سيقيها من لظى الحياة. ما علِمت أنها استجارت من لفحات سمومٍ قليلة بنارٍ موقدة.
خرجت خلسةً، فأفقدت بيت أهلها سكينته. ظنت، وإن بعض الظن إثم، أنها اختارت طريقاً مُعَبَّداً بالورود، وهي تسير برفقة من اختاره قلبها. لكنها في غمرة انتشائها بخمر الوَلَه غاب عن إدراكها شوكٌ تناثر على جانبي طريق اختارته بملء إرادتها. ومع ذلك لن تدرك أن ثمن الحب المسروق فضيحة، وإنكسار لا يُرمم. وأنها قد تلطخت بأذى وقذى يدمي العيون.
ما أكثر القصص التي تبدأ بكلمتي “أحببته ورفضوه”، وتنتهي بانفطار قلب من لا يفي بر العمر كله طلقة واحدة من طلقات الولادة عانتها عند خروج من شقتها الذل للدنيا، ولا إنكسار أب كان يقف كالطود بين أهله وناسه.
ليس الحب هو المتهم الرئس في مثل هذه الحوادث. فالحب من أجمل ما أودعه الله في القلوب، وهو كالماء، يُحيي إذا جرى في مجراه، ويُغرِق إذا فاض على ضفافه. وما من شعور، مهما سمت منزلته في نفس حامله، يملك أن يُلبس الخطأ ثوب الفضيلة، أو أن يحول المعصية إلى بطولة.
حين تغادر فتاة بيت أهلها مع من اختارته زوجاً دون رضا والديها، لا تهرب من جدران منزل فحسب، بل تقفز فوق جسورٍ شُيِّدت عبر سنوات من الثقة والتربية والاحتواء. وما يبدو لها باباً إلى السعادة قد يكون باباً إلى أسئلةٍ لا تنتهي، وندمٍ لا تقدر الأيام دائماً على مداواته. فالزواج في ديننا وعُرفنا ليس لقاء قلبين فقط، وإنما ميثاقٌ تُصان به الكرامة، وتُعلن به الحقوق، ويُبنى في وضح النهار، لا في عتمة الهروب.
ولأن الشرع جاء لصيانة الإنسان قبل تقييده، فقد أغلق أبواباً يعلم أنها تفضي إلى الفوضى لو فُتحت باسم الحب. فما كل ما تهواه النفوس خيرٌ لها، ولا كل طريقٍ قصير يقود إلى نهايةٍ آمنة.
غير أن الإنصاف يرفض أن يقف عند مشهد الهروب وحده، ويغض الطرف عن الطريق الذي قاد إليه. فكم من بيتٍ ضاق بالحوار حتى اتسعت فيه المسافات بين القلوب؟ وكم من أبٍ أحسن توفير الطعام والكساء، لكنه لم يُحسن الإصغاء؟ وكم من أم رأت في عيني ابنتها حيرةً واستغاثة، فاكتفت بالصمت لأن الكلمة الأخيرة ليست لها؟ أو لأنها تظن أن فضائل غرستها فيها منذ صغرها ستقيها من ظنونها وهواجس تكتنفها من حين لآخر.
لا يطلب الأبناء دائماً أن تُستجاب رغباتهم كلها، لكنهم يتوقون إلى أن تُسمع أصواتهم. وما أقسى أن يشعر الإنسان بالغربة وهو بين أهله، وبالوحدة وهو محاط بمن يحبهم. فالكلمة الحانية قد تُغلق باب مأساة، والحوار الهادئ قد ينقذ أسرة من فضيحة، والإقناع بهدوء قد يفعل ما تعجز عنه الزواجر والنواهي.
وليس معنى ذلك أن تتخلى الأسرة عن مسؤوليتها، أو أن يصبح الوالدان أسرى لرغبات الأبناء. فكلكم راعٍ ، وكلكم مسؤول عن رعيته. ومن حق الراعي أن يرفض إذا رأى في الرفض مصلحةً راجحة. لكن بين الرفض الحكيم والرفض المُتعالي مسافةٌ تصنع الفارق بين بيتٍ يحتضن أبناءه، وبيتٍ يدفعهم، من حيث لا يشعر، إلى أحضان المجهول.
فالبيوت لا يحرسها ارتفاع أسوارها، وإنما دفء القلوب. ولا يحفظ الأبناء كثرة الأوامر، وإنما شعورهم بأن لهم مكاناً يُصغى فيه إلى أحلامهم ومخاوفهم معاً. فإذا غاب الحوار، تكلمت المسافات، وإذا حضرت المحبة الممزوجة بالحكمة، خمدت نوازع التمرد قبل أن تولد.
ويبقى الهروب، مهما تلونت أسبابه، خسارةً لا يعرف فيها أحدٌ طعم الانتصار. فلا الحب يزدهر فوق أنقاض هجر الوالدين، ولا السعادة تُبنى مع من لم يحترم والدي من يُحب، ولا البيوت المُشيَّدة على قواعد خاطئة من أول خطوةٍ ستُثمر ما يُعمِر الأرض.













