الطاهر يونس
كان يومًا مشحونًا منذ أن أشرقت شمس قاهرة المعز، وتبددت الظلمة التي تمددت وسط بناياتها العالية وأزقة أحيائها القديمة. وبرغم زحام المدينة وضوضائها، كانت في داخلي مساحات صامتة للتأمل… تأمل في المصائر، والأقدار، والمصائب التي تتسلل إلى حياة الناس بلا استئذان.
كان أحد أهدافي من عبور هذه المدينة أداء واجب العزاء في الشهيد المقدم يوسف محمد عثمان وشقيقه وليد، فرسان المدرعات والقصر (أيقونة شهداء الكرامة)، حيث يقيم والداهما وبقية الأسرة. كانت الساعات تمر ببطء ثقيل، كأنها تحمل فوق كاهلها ثقل الفقد، وتختبر قدرتنا على المواساة.
وصلت إلى مكان إقامتهم (الشقة) التي انفتح بابها على شرفة حزنٍ مقيم، يتسلل إلى الداخل مع كل زائر، سواء جاء معزيًا أو واصلًا للرحم. حاولت أن أكتم مشاعري، وألا أفتح جرحًا مضى عليه أشهر، وأن أحبس دموعي خشية أن تستدعي دموعًا أخرى من عيون أنهكها البكاء، فقد كان الفقد مضاعفًا، موجعًا، لا يُحتمل.
كنت أتعمد تشتيت بصري وانتباهي هربًا من لحظات ظننتها صعبة تثقل القلب، حتى أدركت لاحقًا أن الأصعب لم يأتِ بعد.
رنّ هاتف عم محمد، وعلى الطرف الآخر كان مسؤول علاج الجرحى من القوات المسلحة، يخبره أن رفاق يوسف من الجرحى الذين أُجلوا اليوم من معارك الكرامة رفضوا أي إجراء طبي (رغم خطورة إصابات بعضهم)، وأصروا على الحضور لتقديم واجب العزاء في رفيق دربهم يوسف وشقيقه وليد.
طلب مني عم محمد الانتظار، وكنت قد هممت بالمغادرة لضيق الوقت، لكنني استجبت، لنجتمع على غداء سوداني ينضح بالكرم والأصالة، كأنما نحاول أن نخفف وطأة الحزن بما تبقى من دفء الحياة.
لم تمضِ لحظات حتى حضر الرفاق، يتقدمهم عارف عبد الله.
فتى أسمر، ممشوق القوام، يلف كتفه بجبيرة تحكي عن كسر في أعلى الكتف والقفص الصدري نتيجة إصابة مباشرة بطلق ناري، يتحامل على آلامه. كانت تلك الإصابة الثامنة منذ بداية الحرب… ثماني مرات جُرح، وثماني مرات عاد مسرعًا إلى أرض المعركة قبل أن تندمل جراحه.
لكن هذه المرة كانت مختلفة… إذ استدعت حالته نقله إلى القاهرة لإجراء عملية جراحية دقيقة. تقدم عارف، وقد ألجم الفقد لسانه… كان يغالب دموعه محاولًا أن يبدو متماسكًا، صلبًا كما اعتاد أن يكون في ساحات القتال. فهو الذي كسب كل المعارك وهزم كل عدو… لكنه بدا هذه المرة كأنه على وشك خسارة معركته الأولى.
اقترب بصعوبة من والد يوسف، وهناك… انهار.
كانت لحظة عصية على الوصف… انفجر فيها عارف بالبكاء، وسقطت كل دفاعاته. بكى كطفلٍ فقد أخاه، لا كمقاتل اعتاد مواجهة الموت.
وبعد أن أفرغ ما في صدره، واستعاد شيئًا من سكونه بالاستغفار والصلاة على النبي، بدأ يسرد حكايات البطولة والثبات، وأمنيات القدر في عيون الشهداء. لم يكن يتحدث عن نفسه، بل عن رفاقه الذين ارتقوا…
كان يتحدث بألمٍ عميق، ويضع نفسه في موضع اتهام: كيف لم يُصطفَ بعد، ويُرافق الأخيار؟ كيف لم ينل الشهادة؟ كان يرى نفسه مقصرًا لأنه ما زال على قيد الحياة… كانت أشواقه هناك…
مع أرواح من ارتقوا واستقرت (كما كان يردد) في حواصل طيرٍ خضر.
أقسم عارف أنه عائد… عائد إلى متحرك كردفان، عرين الأسود الذي كان أحد حكمداراته، لا ليقاتل فحسب… بل ليجعل منه محطة عبور نحو ما يتمناه.
وقد صدق.
عاد عارف…
وعند أبواب مدينة الدلنج تحقق وعده.
زُفّ شهيدًا كما كان يتمنى،
كأن أشواقه التي طالما حلّقت في السماء قد وجدت طريقها أخيرًا إلى الجنان.
رحم الله عارف عبد الله، وجعل مقامه مع الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.













