الطاهر يونس
هكذا هي الحياة؛ قطارٌ أعمى لا يعرف التوقّف إلا عند أرصفة الرحيل،
يمضي بنا ونحن نلوّح لأحبتنا واحدًا تلو الآخر، وكلُّ يومٍ يوقظ في القلب فجيعةً جديدة.
بالأمس اكتست الأسافير بالسواد، وتكسّرت الحروف وهي تنعى الكاتب الهلالي النبيل
الأستاذ عبداللطيف الهادي،
الذي كان اسمه مرآةً لفعله:
هاديًا حين يضجّ الصخب،
ولطيفًا حين تقسو الكلمات.
عرفته إبان التطبيع الأولي قريبًا من القلب،
نقيَّ الرأي،
لا يكتب حتى يستوثق،
ولا ينتقد إلا وفي صوته محبة.
يتحرّى الحقيقة
كي لا تصطاده شِراك الزيف،
ويمشي إلى المعنى
كما يمشي العارفون… على مهلٍ ويقين.
فظللنا على تواصلٍ هلاليٍّ نبيل، وحين داهمه المرض وأخذ من جسده النحيل مأخذًا،
لم ينحنِ؛ فقد ظل واقفًا في مواجهة الألم،
متوشّحًا بحب الهلال،
يحمله بين ضلوعه كما تُحمل العقيدة،
وصابرًا صبرَ من أدرك
أن البلاء رسالةُ محبة،
وأن ما أصابه
ما كان ليخطئه.
حتى إذا اكتمل النور، وأذن الله، وأذّن مؤذّن الرحيل،
حلّقت روحه إلى عليائها خفيفةً مطمئنة،
كما عاشت… في جسدٍ
نظيف القلب والسريرة.
اللهم ارحم عبداللطيف الهادي، واجعل مثواه مع الصديقين والشهداء،
واجعل البركة في أثره وعقبه،
وخالص العزاء لأمّة الهلال
في هذا الغياب الموجع.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.












