أقول لكم
في الثامن عشر من فبراير 2009 رحل الروائي العالمي السوداني الطيب صالح، له الرحمة والمغفرة والعتق من النار.
أول مرة التقيت فيها الطيب كانت عام 1982 في بغداد، وكنت وقتها أعمل بصحيفة «الجمهورية» في أولى محطات حياتي الصحفية. جاء الطيب إلى بغداد لحضور فعاليات منتدى للأدباء العرب، وكان نجم المنتدى بلا منازع، لما وجده من اهتمام وتقدير.
عندما تقرر إجراء حوار معه، اشتد التنافس بين الزملاء في الصحيفة، وكلٌّ يمني نفسه أن يتم اختياره لهذه المهمة. غير أن الأستاذ صاحب سلمان، رئيس التحرير، حسم الأمر باختياري، رغم أنني لم أفكر مجرد تفكير في ذلك.
كان القرار مفاجئًا لي، وأحسست بالخوف. كيف أقوم بمحاورة روائي في مكانة وشهرة الطيب صالح؟ روائي أطلقوا عليه «عبقري الرواية العربية» عن جدارة واستحقاق! اعتذرت وحاولت التهرب، لكن رئيس التحرير رفض كل اعتذاراتي ومحاولاتي، مؤكدًا أن هذا الحوار لن يجريه أحد غيري. تم الاتصال بالطيب صالح وتحديد موعد اللقاء.
ذهبت وأنا محاصر بهواجس الخوف والتردد. صحيح أنني قرأت كل ما كتب: «عرس الزين»، و«موسم الهجرة إلى الشمال»، و«بندر شاه» وغيرها، ولكن رهبة الموقف كانت أكبر من القراءة.
منذ لحظة استقباله لي وترحيبه، منحني الطيب صالح إحساسًا وكأنني صديق عمره، بتواضعه وبساطته ودفئه الإنساني. امتدت الجلسة ساعات بين حوار وسمر وأحاديث متنوعة عن السودان وأهله.
خرجت بحوار أثار جدلًا ونقاشات واسعة، خاصة ما قاله حول أنه مُقلٌّ في كتاباته لأنه لا يحب الكتابة، وأن الكتابة ليست شيئًا جميلًا بالنسبة له، مؤكدًا في الوقت ذاته أن الأدب العربي عالمي، وأن الرواية العربية وصلت إلى العالمية.
وكان أكثر ما أسعدني أن صحيفة «الشرق الأوسط» نقلت الحوار بتصرف، مركزة على تصريحه بأنه لا يحب الكتابة، وعلى حديثه عن عالمية الأدب والرواية العربية.
لقد شكّل هذا الحوار واحدة من أهم المحطات في مشواري الصحفي، ومنحني ثقة كبيرة وحافزًا معنويًا، وما كان ذلك ليحدث لولا تواضع وبساطة الطيب صالح، الذي رفع اسم السودان عاليًا، وانتشرت رواياته عالميًا بهذا المستوى، وتُرجمت إلى أكثر من لغة، بل أُدرج بعضها ضمن مناهج جامعية عربية وعالمية، ولم يزده ذلك كله إلا تواضعًا وبساطة.
رحم الله الطيب صالح، عبقري الرواية العربية.












