في الذكرى السادسة لرحيله.. الساحة الفنية والثقافية تستذكر أحد رموزها



جمع بين الإبداع والعلم.. فخلّدته أعمال
من خشبة المسرح إلى قاعات الجامعة
إرث أكاديمي وفني تجاوز حدود الزمن
بصمة خالدة في المسرح والثقافة
مبدع صنع أجيالًا من المسرحيين
عماد أحمد ـ آكشن سبورت
صادف يوم أمس الأربعاء الذكرى السادسة لرحيل البروفيسور عثمان جمال الدين، أحد أبرز أعمدة الدراما والمسرح في السودان، الذي غيبه الموت في 29 يوليو 2020 بعد مسيرة حافلة بالعطاء الفني والأكاديمي. ورغم مرور ست سنوات على رحيله، لا يزال حضوره راسخًا في ذاكرة المسرحيين وطلابه ومحبيه، بما تركه من إرث ثري في التمثيل والتأليف والبحث العلمي والتدريس الجامعي. فقد جمع الراحل بين الإبداع على خشبة المسرح والتميز في قاعات الجامعة، وأسهم في إعداد أجيال من الفنانين والباحثين، ليظل اسمه واحدًا من أبرز الشخصيات التي أسهمت في تشكيل ملامح الدراما السودانية الحديثة، وتركت أثرًا لا يزال حاضرًا في المشهد الثقافي حتى اليوم.
النشأة والبدايات
ولد عثمان جمال الدين عثمان عام 1951 بحي الختمية في الخرطوم بحري، وتلقى تعليمه بمدرسة المتمة، ثم مدارس الشعب ببحري، قبل أن يلتحق بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح، حيث نال درجة البكالوريوس. وواصل مسيرته العلمية بالحصول على دبلومين في الإخراج المسرحي والفنون الشعبية من القاهرة، ثم ماجستير في الأدب والفولكلور من جامعة الخرطوم، قبل أن ينال الدكتوراه في الدراسات الأفريقية من مركز البحوث والدراسات الأفريقية.
ومنذ طفولته، لم تمنعه إصابته بمرض الربو من ملاحقة أحلامه، فابتعد عن الرياضة واتجه نحو الفن، مدفوعًا بشغف كبير بالمسرح والتمثيل. وكان للأستاذين الراحلين حسن عبد المجيد ومكي سنادة دور بارز في تشجيعه ومنحه أولى الفرص للمشاركة في الأعمال الإذاعية والتلفزيونية، بعدما أدركا ما يتمتع به من موهبة ورغبة حقيقية في صناعة الدراما.
الانطلاقة الفنية
بدأ عثمان جمال الدين حضوره اللافت على خشبة المسرح في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وشارك في عدد من الأعمال التي أسهمت في ترسيخ مكانته بين نجوم المسرح السوداني، من أبرزها «نبتة حبيبتي» للمؤلف هاشم صديق وإخراج مكي سنادة، و**«جوابات فرح»** ليوسف خليل وإخراج صالح تركاب، و**«الخفافيش»** لأبي العباس محمد طاهر، و**«اللحظات الأخيرة»** لحسن عبد المجيد، و**«زهرة النرجس»** التي أعدها مكي سنادة وأخرجها عثمان قمر الأنبياء.
وأثمر هذا الحضور المبكر عن فوزه بجائزة الدولة التقديرية عام 1974، تقديرًا لأدائه في مسرحيتي «نبتة حبيبتي» و**«الخفافيش»**، لتكون بداية مسيرة حافلة بالإنجازات.
رسالة أكاديمية
في عام 1979، اتخذ عثمان جمال الدين قرارًا بالتفرغ للعمل الأكاديمي، لينتقل إلى مرحلة جديدة من العطاء داخل جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، حيث عمل مدرسًا للدراما والمسرح، وتولى رئاسة عدد من الشعب العلمية، من بينها شعبة التمثيل، وشعبة الراديو، وشعبة النقد والدراسات المسرحية، كما أسهم في تأسيس قسم الدراسات العليا بكلية الموسيقى والدراما.
وتدرج في مواقع المسؤولية، فشغل منصب منسق الدراسات العليا، ورئيس وحدة البحث العلمي، وعضوية مجلس البحث العلمي، ولجنة التميز العلمية، ولجنة إعداد كتاب الدراسات السودانية، كما شارك في وضع هيكل عمادة البحث العلمي، وترأس لجنة الجودة الفنية بالمسرح القومي.
ولم يقتصر عطاؤه على الجامعة، بل كان الأمين العام ومقرر أمانة الحوار والملتقى الفكري لمشروع «الخرطوم عاصمة الثقافة العربية» عام 2005، كما ترأس لجنة الملتقى الفكري في مهرجان أيام البقعة المسرحية، ولجنة مسابقة أغنية الطفل والأوبريت القومية.
إنتاج غزير
ترك الراحل مكتبة ثرية من المؤلفات المتخصصة، من أبرزها «خيال الظل.. دراسة في المجتمع المصري من خلال تمثيليات ابن دانيال»، و**«ظل الظلال»، و«دراسات في كتاب الطبقات»، و«الفولكلور في المسرح السوداني»، و«إشارات مسرحية»**، إضافة إلى مشاركته في تأليف «دراسات سودانية».
كما قدم عشرات الأوراق العلمية داخل السودان وخارجه، ونشرت له بحوث في عدد من الدوريات العلمية، وأشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه، ليصبح أحد أبرز المراجع الأكاديمية في مجال المسرح والدراسات الشعبية.
وعلى صعيد التأليف المسرحي، كتب نصوصًا مهمة، منها «حكاية نادية»، و**«نقوش على شواهد الأحبة»، و«يانسيما هب من واد قبا»، و«طائر الصدى المفقود»**، والتي قدمت جميعها على خشبة المسرح.
كما كتب نصوص عدد من الأفلام الوثائقية التي عرضها التلفزيون السوداني، من بينها «النيل.. ممالك وحضارات»، و**«العبدلاب»، و«الجلالات»، و«الموسيقات العسكرية»، و«نخلة ودماء»، إلى جانب مسلسلات إذاعية بارزة مثل «أبو حيان التوحيدي»، و«المتنبي.. نسيج الرحيل»، و«السيف والقبيلة»، و«إيقاع المساء»، و«خضرة الشريفة»**.
حضور عربي
مثّل عثمان جمال الدين السودان في العديد من المحافل الثقافية والمسرحية، وشارك في مهرجان المعهد العربي بباريس، ومهرجان قرطاج الدولي بتونس، ومهرجان المسرح العربي ببغداد، مقدمًا صورة مشرقة للمسرح السوداني في الخارج.
الإنسان المسؤول
بعيدًا عن المسرح، كان عثمان جمال الدين مثالًا للأخ المسؤول. فبعد وفاة والده، تحمل مسؤولية رعاية أشقائه وتربيتهم وتعليمهم حتى تخرجوا في الجامعات، وأصبح بينهم المهندس والطبيب والمحاسب، لذلك لم يكن بالنسبة لهم شقيقًا فحسب، بل كان الأب والسند.
كما شكل مع زوجته الفنانة حياة طلسم واحدة من أنجح الزيجات في الوسط الفني، وأنجبا عددًا من الأبناء، من بينهم الفنان الشاب نادر عثمان.
وداع القامة
في التاسع والعشرين من يوليو عام 2020، ودعت الساحة الفنية والأكاديمية أحد أبرز أعمدتها، بعد رحلة حافلة بالعطاء في المسرح والبحث العلمي والتدريس والتأليف.
ورغم مرور ست سنوات على رحيله، لا يزال البروفيسور عثمان جمال الدين حاضرًا في ذاكرة المسرحيين وطلابه ومحبيه، بما تركه من أعمال خالدة، وإسهامات علمية، وأجيال تتلمذت على يديه، ليظل اسمه واحدًا من أهم الأسماء التي أسهمت في تشكيل ملامح الدراما السودانية الحديثة.
رحم الله البروفيسور عثمان جمال الدين، وجعل عطائه العلمي والفني في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته.













