حكاية شاعرٍ كتب الخوف اعترافًا والحب قدرًا
من حلفا إلى فيرجينيا… والسودان في القلب
جعل الغربة قصيدةً والحب وطنًا
سلامٌ لا يشبه الوداع… شاعرٌ باقٍ في الوجدان
دا ما سلامك… بل بداية البقاء
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
أصلو البعيش في الدنيا ياما تشوفو
هسّه خايف من فراقك
لو حصل ببقى كيف
ما اتعودت أخاف من قبلك
إلا معاك حسّيت بالخوف
لم يكن عزمي أحمد خليل مجرد اسمٍ يتردّد في دواوين الغناء السوداني، بل كان إحساسًا كاملًا يسير على قدمين. شاعرًا لا يكتب من خارج التجربة، بل من قلبها؛ يعيش الكلمة أولًا، ثم يتركها تمشي إلى الناس أغنية.
في نصوصه دفءُ حنينٍ قديم، وشفافيةُ قلبٍ لم يعرف التبلّد، وقلقُ عاشقٍ يدرك أن الفراق ظلٌّ يمشي خلف كل لقاء.
كان خفيف الروح كجملة موسيقية، عميق النظرة كطالب فلسفة، ومشدودًا دائمًا إلى تلك المسافة الحساسة بين الحب والخوف؛ حيث يصبح التعلّق اعترافًا، ويصبح الخوف أصدق أشكال العشق.
البدايات… من ضفاف الشمال إلى خرائط الترحال
وُلد عزمي في أقصى شمال السودان، في وادي حلفا – دغيم، حيث النيل يمرّ بهدوءٍ يشبه التأمل. هناك تشكّلت أولى صور العالم في ذاكرته: الماء، الصبر، الفقد، وأغاني البيوت القديمة.
غير أن طفولته لم تعرف الثبات. تنقّل بين أروما وبورتسودان وكسلا، فكان كل انتقال يضيف طبقةً جديدة إلى وجدانه. من الشرق أخذ حدّته وحرارته، ومن القرى بساطتها، ومن اختلاف البيئات موسيقى داخلية ستظهر لاحقًا في نبرة شعره.
لم يكن الترحال مجرد تنقّلٍ مكاني، بل تدريبًا مبكرًا على فكرة الغربة. كأن الحياة أرادت أن تهيّئه مبكرًا ليكتب عنها لاحقًا بصدقٍ لا يُفتعل.
الفلسفة… حين يفكّر الشاعر بقلبه
أكمل تعليمه في حلفا الجديدة، ثم قصد الخرطوم ليدرس الفلسفة والمنطق وعلم النفس بجامعة القاهرة – فرع الخرطوم.
هذا الاختيار لم يكن تفصيلًا عابرًا؛ فقد تسلّل أثره إلى قصائده بوضوح.
عند عزمي، الحب ليس انفعالًا عابرًا، بل سؤال مفتوح.
والخوف ليس ضعفًا، بل أعلى درجات التعلّق.
والفراق ليس حدثًا، بل تجربة وجودية كاملة.
يقول:
ما اتعودت أخاف من قبلك
إلا معاك حسّيت بالخوف
أعمل إيه ما القسمة اختارت
وكل الناس حاكماها ظروف
هذه ليست شكوى عاشقٍ فقط، بل وعيٌ بالعلاقة، وإدراكٌ لدور القدر والظروف. خطابٌ هادئ، لكنه مشحون باعترافٍ عميق: الخوف هنا دليل المحبة، لا نقيضها.
المطار… مدرسة الوداع الكبرى
بدأ حياته العملية معلّمًا في كسلا، كأنما يردّ للمدن بعض فضلها عليه. ثم انتقل إلى الخطوط الجوية السودانية في مطار الخرطوم.
هناك، في صالات السفر، كان يشاهد القصص تتكرر كل يوم:
دموعًا تُخفى خلف ابتسامات، وأيدٍ تتشابك ثم تفترق، وحقائب تحمل ما هو أكثر من الملابس.
تحوّل المطار من وظيفة إلى استعارة كبرى في حياته.
من يجاور السفر طويلًا، يدرك أن الفراق ليس احتمالًا طارئًا، بل رفيقًا دائمًا.
ولا عجب أن تصبح الغربة ثيمةً متكررة في كلماته.
الإعلام… والاحتكاك بالحلم الوطني
عمل في الإذاعة والتلفزيون، وكتب في الصحف، واشتغل في وزارة الشباب والرياضة. اتسعت دائرة معارفه، واحتكّ بالمشهد الثقافي والسياسي، ورأى الوطن من زوايا متعددة: أمله، ارتباكه، وغضبه المكتوم.
لكن الرحلة لم تتوقف.
الإمارات… بداية الغربة الكبرى
في الإمارات، عمل صحفيًا في جريدتي الخليج والوحدة.
كانت تلك أول تجربة اغتراب خارج السودان، وهناك بدأ الحنين يتبلور في نصوصه بشكل أوضح. الغربة لم تكن عنده شكوى مباشرة، بل إحساسًا متسللًا بين السطور.
ثم جاءت السعودية، حيث عمل مشرفًا اجتماعيًا بجامعة الملك سعود بالرياض. في الرياض وجدة والدمام، صار حاضرًا في المجالس الثقافية، خفيف الظل، عميق الحديث، رفيق ليالٍ تجمع بين الضحك والتأمل.
كل تلك التفاصيل صارت لاحقًا أغنيات.
يقول في إحدى لحظات الشوق عن ليلة رأس السنة:
تسألني كيف راس السنة
وأنا بي هنا مليان شقا وشرقان ضنا
…
حليل بلدنا ويا حليل كل الجميلات والفرح
ما فيش بلادا تشبها
ذلك الصوت لم يكن صوت فردٍ مغترب، بل صوت وطنٍ يتكلّم من خلاله.
أمريكا… الغربة الأخيرة والوصية
هاجر إلى الولايات المتحدة، واستقر في فيرجينيا. هناك واصل نشاطه الثقافي، وأسهم في رابطة شعراء الغناء بالمهجر، وظلّ مرجعًا لكثير من الفنانين الشباب.
لم تنقطع صلته بالسودان؛ ظلّ حاضرًا في حديثه وكتابته، حتى رحل في 10 مايو 2019.
عاد جسده إلى الوطن ليدفن بجوار والده، كما أوصى.
عاد متأخرًا قليلًا… لكن قلبه لم يكن قد غادر أصلًا.
ملك الرومانسية… والشراكات الخالدة
استحق لقب “ملك الرومانسية” عن جدارة.
كوّن ثنائية لافتة مع الفنان الراحل هاشم ميرغني، وقدّم معه أعمالًا رسخت في الوجدان، منها:
عشان أهلك بخليكي
فراق ليلتين
إنتي ما مشتاقة
حان الزفاف
في “عشان أهلك بخليكي” يبلغ الحب ذروة نُبله؛ انسحابٌ حفاظًا على راحة الحبيبة.
وفي “دا ما سلامك” يصبح السلام نفسه موضع مساءلة:
دا ما سلامك
لا لا ما دا سلامك
أما في:
أصلو البعيش في الدنيا ياما تشوفو
تشقيهو بي حسرة عزيز
إن شاء الله ما يحصل فراق
لقلوب بعد اتولفوا
فنراه يتجاوز ذاته، داعيًا للعاشقين جميعًا. شاعرٌ يتحول إلى قلبٍ جماعي.
سهل… لكنه عميق
تميّز عزمي بأسلوب حواري مباشر، بلا تعقيد لفظي أو زخرفة ثقيلة.
كلماته قريبة من الناس، لكن معانيها بعيدة الغور.
هسّه خايف من فراقك
لو حصل ببقى كيف؟
سؤال بسيط، لكنه يحمل رعبًا شفيفًا من فكرة الغياب.
هنا تتجلّى قدرته: أن يقول الكثير بالقليل.
حين يغضب… يتكلم الوطن
لم يكن شاعر حبٍ فقط. كان أيضًا صوتًا وطنيًا حين تستدعي اللحظة.
كتب ضد الظلم، وتضامن مع المظلومين، وغضب لمرض محجوب شريف، وعبّر عن أمله في انكشاف الظلام.
كان واضح الموقف، لا يساوم في إنسانيته.
شاعر عبر الأجيال
تغنّى بكلماته كبار الفنانين، كما غنّاها الشباب.
ذلك الامتداد عبر الأجيال ليس مصادفة؛ إنه دليل أن تجربته لم تكن مرحلة عابرة، بل جزءًا من نسيج الأغنية السودانية الحديثة.
سلام لا يشبه الوداع
رحل عزمي أحمد خليل، لكن نصوصه بقيت تمشي بين الناس:
في كل عاشق يخاف الفراق،
في كل مغترب يحنّ لرأس سنة في بلده،
في كل قلب يرى في الخوف اعترافًا لا ضعفًا.
لم يكن “دا ما سلامك” ختامًا،
بل كان بداية بقاء.
سلامٌ لشاعر كتب الغربة حبًا،
وكتب الحب وطنًا،
وترك لنا كلمات تمشي بهدوء النيل،
ولا تنتهي.
رحمه الله رحمةً واسعة،
وجعل سيرته، كما شعره، رحلةً لا تنتهي في الوجدان.













