يواصل سرد ذكرياته المثيرة مع وزراء الإعلام السودانيين
مكالمة هاتفية تشعل أزمة مع وزير الإعلام
من تهديد بالطرد إلى إنصاف وظيفي
مهمة ليبيا تطوي خلافاً بدأ في الخرطوم
ترقيات مثيرة للجدل تنصف المبتعثين بالقاهرة
أسرار التنافس بين مدرستي الإذاعة والتلفزيون
إبراهيم عوض ـ آكشن سبورت
في دهاليز وزارة الثقافة والإعلام السودانية، حيث تتقاطع القرارات السياسية مع تفاصيل العمل اليومي، عاش الإعلامي المخضرم عليالريح تجارب وذكريات لا تخلو من المفارقات والمواقف الطريفة والصدامات الإدارية. فقد تنقل بين مؤسسات الإعلام المختلفة، وعاصر وزراء تعاقبوا على قيادة الوزارة في حقب سياسية متباينة، لكن واحدة من أكثر الحكايات إثارة في مذكراته كانت مع الوزير بونا ملوال، زميل الأمس الذي أصبح مسؤولاً عن الوزارة بكل مؤسساتها. بدأت القصة بمكالمة هاتفية ظنها علي الريح محاولة جديدة لتقليد صوت الوزير، فانتهت بقرار يقضي بفصله أو معاقبته، قبل أن تتدخل الإجراءات الإدارية لإنقاذ مستقبله الوظيفي. ولم تتوقف المفارقات عند تلك الواقعة، بل حملت الأيام لقاءً جديداً بين الرجلين في ليبيا، ثم موقفاً آخر أنصف فيه الوزير زملاءه المبتعثين للدراسة في القاهرة، لتتحول العلاقة من خلاف عابر إلى شهادة على طبيعة الإدارة والقيادة والوفاء للزمالة.
وزراء وذكريات
يستعيد علي الريح سنوات عمله في وزارة الثقافة والإعلام وتلفزيون السودان والإذاعة ووكالة السودان للأنباء «سونا» ومكاتب الإعلام بالأقاليم، مؤكداً أنه تعامل مع عدد كبير من الوزراء الذين ترك كل منهم بصمته الخاصة.
ويذكر من بينهم عمر الحاج موسى وشقيقه إسماعيل الحاج موسى، وعلي شمو، ومحمد خوجلي صالحين، وعبد الباسط سبدرات، وبونا ملوال، والتوم محمد التوم، وحسين أبو صالح، وعبد الله محمد أحمد.
ويشير إلى أن العمل الإعلامي في عهد مايو كان مرتبطاً بسياسات الاتحاد الاشتراكي، التي تنتقل إلى الإذاعة والتلفزيون و«سونا» لتغطيتها ونشرها.
لكن أكثر ما استوقفه أن بعض من تولوا الوزارة كانوا زملاء له في قسم الأخبار، ومن بينهم بونا ملوال والتوم محمد التوم، قبل انتقالهما إلى مواقع المسؤولية العليا.
زميل ووزير
يصف علي الريح بونا ملوال بأنه من الوزراء القريبين من العاملين، الذين يعرفون موظفي الوزارة ويحترمون علاقات الزمالة القديمة.
وكانت الوزارة آنذاك تشرف على مؤسسات واسعة، تشمل الإذاعة والتلفزيون و«سونا» والخدمات الهندسية ومكاتب الأقاليم.
ورغم ضخامة المسؤوليات، حافظ بونا، بحسب رواية الريح، على علاقاته الإنسانية مع العاملين، وهو ما جعل الموقف الذي جمعهما لاحقاً أكثر غرابة.
مكالمة غاضبة
بدأت الحكاية عندما اشتهر أحد العاملين، ويدعى بحسب ما يتذكره علي الريح، عبد الرحمن سنهوري، بقدرته على تقليد صوت بونا ملوال، والاتصال بالموظفين لإصدار تعليمات باسمه.
وتسببت تلك التصرفات في ارتباك العمل، حتى سُجل تنبيه في دفتر الأحوال بالإعلام المركزي يحذر العاملين من الاستجابة لمكالمات منتحل شخصية الوزير.
وفي أحد أيام عطلة العيد، كان علي الريح يؤدي عمله ويتلقى خبراً من مكتب إعلامي في كوستي، عندما رن الهاتف.
رفع السماعة، فسمع المتصل يقول: «أنا بونا».
ظن أنه الشخص الذي يقلد صوت الوزير، فرد عليه بحدة: «يا أخي بطل استهبال»، ثم أغلق الهاتف وعاد إلى عمله.
لكن المفاجأة جاءت بعد دقائق، عندما دخل بونا ملوال المكتب بنفسه، وسأله مستنكراً عن سبب مخاطبته بتلك الطريقة!
أدرك علي الريح أن المتصل كان الوزير بالفعل، وشرح له ملابسات التحذير المسجل في دفتر الأحوال، وأنه لم يقصد الإساءة إليه.
قرار الفصل
لم تنتهِ الواقعة عند الاعتذار والتوضيح، إذ كتب بونا ملوال توجيهاً إلى وكيل الوزارة بشأن معاقبة علي الريح.
وبحسب المذكرات، تضمّن التوجيه خصم خمسة عشر يوماً من راتبه إذا كان موظفاً دائماً، أو فصله فوراً إذا كان يعمل بعقد مؤقت.
وتسلم علي الريح الورقة ليقدمها إلى الوكيل عقب انتهاء عطلة العيد، لكنه تمسك بموقفه، معتبراً أن توقيع عقوبة دون تحقيق يخالف الإجراءات الإدارية.
تدخل الوكيل
بعد انتهاء العطلة، عرض علي الريح الأمر على وكيل الوزارة الدكتور حسن الزين، الذي راجع التوجيه وأوضح للوزير أن الموظف لا يمكن معاقبته دون اتباع الإجراءات القانونية.
وبيّن الوكيل أن الخطوة الأولى تقتضي توجيه استيضاح للموظف، ثم النظر في رده، وتشكيل مجلس تحقيق أو محاسبة عند الضرورة.
وبالفعل، تلقى علي الريح استيضاحاً رسمياً، فجاء رده بصياغة ذكية، أكد فيها أنه لم يقابل الوزير ولم يتحدث معه وجهاً لوجه، نافياً ما نُسب إليه في صيغة الاتهام.
وعندما اطلع بونا ملوال على الرد، وبعد مناقشة الوكيل، انتهت القضية دون توقيع العقوبة، وعاد علي الريح إلى عمله بصورة طبيعية.
مفارقة سياسية
يروي علي الريح موقفاً آخر جمعه ببونا ملوال، حين كان الأخير لا يزال موظفاً، وأبلغه خلال إحدى المهام بأنه سيغادر إلى الغابة.
وبعد فترة، عاد بونا إلى المشهد السياسي وزيراً للإعلام.
وعندما التقيا مجدداً، مازحه علي الريح قائلاً إنهم لا يملكون غابة يذهبون إليها ثم يعودون منها وزراء، فضحك الاثنان.
ويستحضر هذه الواقعة بوصفها واحدة من مفارقات التحولات السياسية التي شهدتها البلاد، وكيف يمكن أن ينتقل زميل المكتب إلى أعلى مواقع المسؤولية.
اختبار ليبيا
بعد إغلاق ملف المكالمة، شارك علي الريح في وفد إعلامي رافق نائب الرئيس أبيل ألير إلى ليبيا.
ولم يكن يعلم أن بونا ملوال سيكون ضمن الرحلة، حتى فوجئ بوجوده في المطار.
بدأت الزيارة بمدينة طبرق، ثم شملت بنغازي وطرابلس، وفي إحدى المحطات قرر بونا اختبار قدرات علي الريح، مستعيداً ما حدث بينهما.
وطلب منه ترجمة حديث نائب الرئيس من الإنجليزية إلى العربية وتقديمه للصحفيين في مؤتمر صحفي.
وبمساعدة زميله محمد عبد الرحمن من وكالة «سونا»، أنجز المهمة، وسلم الترجمة في الوقت المطلوب.
وأبدى بونا رضاه عن العمل، وتحولت الرحلة إلى فرصة لإعادة بناء الثقة بينهما، بعيداً عن أجواء الخلاف السابق.
أزمة الترقيات
انتقل علي الريح لاحقاً إلى القاهرة ضمن بعثة دراسية للحصول على الدبلوم العالي، في الفترة من عام 1975 إلى 1978.
وخلال وجوده هناك، علم مع زملائه أن لجنة الترقيات بالوزارة رفعت درجات عدد من العاملين في إعلام الخرطوم والولايات، بينما استبعدت المبتعثين، رغم أن بعضهم كانوا يشغلون درجات وظيفية أعلى.
وكتب المبتعثون خطاباً إلى بونا ملوال يطالبون فيه بمراجعة القرار وإنصافهم.
إنصاف المبتعثين
استجاب الوزير للشكوى، وطلب الملفات الوظيفية وتقارير الأداء السنوية، ليتبين وجود تفاوت في التقييمات، حيث حصل بعض العاملين على درجات قاربت المئة في المئة، بينما كانت تقديرات آخرين أقل رغم أقدميتهم ومسؤولياتهم.
وأصدر بونا توجيهاً بترقية المبتعثين المستحقين، مع منحهم علاوتين إضافيتين حفاظاً على حقوقهم الوظيفية.
ويعتبر علي الريح هذا القرار نموذجاً لحرص الوزير على العدالة الإدارية، وقدرته على تصحيح الأخطاء دون مجاملة.
تطوير الكفاءات
يشيد علي الريح بإسهامات بونا ملوال في تطوير الهيكل الوظيفي، وتوسيع فرص الدراسات العليا والتدريب للعاملين في الإعلام.
ويشير إلى إتاحة منح دراسية في مصر، إلى جانب فرص التأهيل في هولندا وألمانيا والولايات المتحدة، مما أسهم في رفع كفاءة الكوادر السودانية.
كما يستعيد تجربته الدراسية بالقاهرة، التي أتاحت له التخصص في الإذاعة والتلفزيون، ضمن مجموعة استفادت من برامج التأهيل الخارجي.
ويرى أن تلك المرحلة شهدت اهتماماً واضحاً بإعداد العاملين علمياً ومهنياً، وتسهيل ترقياتهم بعد استكمال فترات التجربة والخدمة المطلوبة.
مدارس إعلامية
لا تقتصر ذكريات علي الريح على بونا ملوال، بل تمتد إلى شخصيات بارزة أسهمت في تشكيل تجربته المهنية، وفي مقدمتها محمد خوجلي صالحين وعلي شمو وأحمد عبد الحليم.
ويشير إلى أن عدداً من هؤلاء بدأوا من الوظائف الإعلامية وتدرجوا في المسؤوليات حتى وصلوا إلى قيادة المؤسسات والوزارة.
ويتوقف عند التنافس بين مدرستي الإذاعة والتلفزيون، موضحاً أن بعض الوزراء كانوا أقرب إلى المؤسسات التي نشؤوا فيها مهنياً.
ففي عهد صالحين، برز حضور الإذاعيين، بينما حظي التلفزيون باهتمام خاص في فترة علي شمو، التي شهدت تطوراً تقنياً ملحوظاً.
ويرى أن ذلك التنافس أسهم في تشكيل جانب مهم من تاريخ الإعلام السوداني، رغم ما صاحبه أحياناً من خلافات مهنية وإدارية.
شهادة للتاريخ
يختتم علي الريح هذه المحطة من مذكراته بالتأكيد على أن وزارة الثقافة والإعلام كانت مدرسة حقيقية، احتضنت شخصيات متنوعة في خبراتها واتجاهاتها، وأسهمت في صناعة أجيال من الإعلاميين.
ورغم اختلاف الأنظمة والوزراء، بقيت علاقات الزمالة والخبرة المهنية من أبرز ملامح تلك المرحلة.
أما بونا ملوال، الذي كاد يفصله بسبب مكالمة هاتفية، فقد ظل في ذاكرته مثالاً للوزير الذي جمع بين الحزم والقرب من العاملين، وكان قادراً على مراجعة قراراته وإنصاف زملائه.
وهكذا تحولت مكالمة كادت تنهي مسيرة موظف إلى واحدة من أكثر الحكايات طرافة ودلالة في تاريخ العمل الإعلامي السوداني، وشهادة على زمن كان فيه زملاء الأمس يصبحون وزراء الغد.

















