يكشف فصلاً مجهولًا من مسيرته المهنية
تتلمذ على ايدي مصطفى عبدالقادر وزامل شدو وعقيل وسبدرات
أول قضية فتحت أمامي أبواب المحاماة
انتخابات واو نقلتني إلى طريق جديد
قضية واحدة صنعت أجمل ذكريات البدايات
بين المحكمة والانتخابات تبدلت ملامح الطريق
واو.. محطة غيرت اتجاه المسيرة المهنية
إبراهيم عوض ـ آكشن سبورت
في ذاكرة الإنسان محطات تبقى حاضرة مهما ابتعد بها الزمن، وبعضها لا تبدو لحظة وقوعها أكثر من خطوة عادية، قبل أن تكشف السنوات أنها كانت منعطفًا غيّر مسار الحياة بأكمله.
ومن بين تلك المحطات تجربة بدأت عقب التخرج من الجامعة، عندما دخل الإعلامي علي الريح عالم المحاماة من بوابة أحد المكاتب الكبيرة في ذلك الوقت، وعاش وسط أسماء قانونية بارزة، قبل أن تنتقل به الرحلة، بعد فترة قصيرة، إلى تجربة أخرى بعيدة تمامًا عن قاعات المحاكم: حيث ستوديوهات التلفزيون.
أول ظهور
كانت البداية في حلة حمد، حيث كان يقيم المحامي مصطفى عبد القادر، الذي كان يعمل في مكتب الدكتور عقيل أحمد عقيل وشوقي ملاسي، أحد المكاتب المعروفة آنذاك، ويضم مجموعة من المحامين ، من بينهم الاستاذ عباس ابوشكيمه من كردفان وكان من أميز المحامين. ومن خلال مصطفى عبد القادر جاءت فرصة التدريب في المكتب بعد التخرج عام 1967.
لم ينتظر الدكتور عقيل طويلًا حتى يدفع بالشاب المتخرج حديثًا إلى أجواء المهنة الحقيقية.
في أول لقاء سأله عن مكان سكنه، وعندما علم أنه يقيم في حلة حمد، أخبره بأن المكتب لديه قضية في محكمة بحري في اليوم التالي، وأن المطلوب منه الظهور فيها وطلب تأجيلها بسبب عدم اكتمال بعض المعلومات.
لم تكن المهمة كبيرة من الناحية القانونية، لكنها بالنسبة إلى محامٍ في بداية الطريق كانت حدثًا استثنائيًا.
شرح له الدكتور عقيل كيف يدخل المحكمة، وكيف يقدم نفسه، وما المظهر الذي ينبغي أن يظهر به أمام القاضي. وفي اليوم التالي ذهب إلى محكمة بحري، ووقف للمرة الأولى أمام القضاء ممثلًا للمكتب، وطلب تأجيل القضية، فاستجابت المحكمة ومنحته التأجيل.
كان ذلك أول ظهور له في المحكمة، واللحظة الأولى التي شعر فيها بأنه دخل عالم المحاماة بالفعل.
مدرسة المهنة
فتح له المكتب بعد ذلك أبوابه، خصوصًا في الفترة المسائية، للاطلاع على ملفات القضايا ومتابعة مراحلها المختلفة، منذ العريضة وحتى الاستئناف، وفي بعض الحالات إلى مرحلة النقض.
ولم يكن التدريب نظريًا، بل كان يرافق المحامين إلى المحاكم، ويراقب التحقيقات ومناقشة الشهود وأساليب الاستجواب، ثم يعود مساءً إلى المكتب لمراجعة الملفات ودراسة تفاصيل القضايا.
كانت تلك الفترة مدرسة حقيقية؛ فالعمل وسط محامين كبار أتاح للشاب فرصة لا تتكرر بسهولة، ومنحه خبرة عملية في سنوات كان للمحاماة فيها أسماء ذات تاريخ وحضور كبيرين.
لكن الاختبار الأكبر كان لا يزال في الطريق.
اختبار صعب
جاءت الفرصة عندما اضطر شوقي ملاسي إلى السفر إلى بورتسودان، بينما كان بعض المحامين الآخرين خارج المكتب. وكانت هناك قضية مهمة يتولى المكتب فيها الدفاع عن شركة تأمين.
استدعاه الدكتور عقيل وأبلغه بأن عليه الذهاب إلى المحكمة في اليوم التالي.
كانت المشكلة أن علي الريح لا يزال متدربًا، ولا يملك الحق الكامل في مباشرة المهمة، إلا إذا وافق محامي الطرف الآخر.
لم يكتفِ الدكتور عقيل بتكليفه، بل رسم له خريطة كاملة لمناقشة الشاهد، ووضع أمامه نحو أحد عشر سؤالًا، وشرح له كيف يتحرك داخل المحكمة، وكيف يقدم الأدلة، وأين تكمن نقطة التحول في القضية.
موافقة الكبار
في المحكمة كان محامي الطرف الآخر عباس أبو شامة، وهو من كبار المحامين.
قدم المتدرب نفسه أمام القاضي، موضحًا أنه من مكتب عقيل وملاسي، وأنه لا يزال تحت التدريب، لكنه مستعد لمناقشة الشاهد إذا وافق الطرف الآخر.
وهنا جاءت المفاجأة.
وافق عباس أبو شامة، مؤكدًا عدم ممانعته في منح الشباب فرصة للعمل وإثبات قدراتهم.
وبدأت المواجهة.
سؤال الحسم
كانت القضية تدور، وفق الرواية، حول سرعة سيارة، فيما كانت الإفادات تميل إلى أنها لم تكن تسير بسرعة كبيرة.
بدأ المحامي الشاب في توجيه الأسئلة التي أعدها له الدكتور عقيل، سؤالًا بعد آخر، حتى وصل إلى النقطة التي يمكن أن تغير مسار الشهادة.
سأل الشاهد عن مكان جلوسه داخل السيارة، ثم استدرجه للحديث عن المشهد خارجها وقدرته على متابعة الأشياء أثناء الحركة.
وجاءت الإجابة التي كان يبحث عنها.
أفادت إجابات الشاهد بأن السيارة كانت تتحرك بسرعة عالية، وهو ما أحدث خللًا في الرواية السابقة بشأن سرعتها، وفتح الطريق أمام موقف أقوى لشركة التأمين التي يمثلها المكتب.
مكافأة النجاح
خرج علي الريح من المحكمة وهو يشعر بأنه اجتاز أول اختبار حقيقي.
ولم تكن السعادة بالنتيجة وحدها، بل إن أحد زملائه الذي تابع الجلسة أعجب بالطريقة التي أدار بها مناقشة الشاهد، ومنحه 20 جنيهًا، وهو مبلغ كبير بمقاييس ذلك الزمن.
وعندما عاد إلى المكتب وأُبلغ الدكتور عقيل بما حدث، كافأه بدوره بـ25 جنيهًا.
كانت تلك، بحسب ذكرياته، أول أموال يحصل عليها من عمله داخل المحكمة، لكنها كانت أكبر من مجرد مكافأة مالية؛ فقد منحته ثقة بأنه يستطيع أن يجد لنفسه مكانًا في المهنة.
طريق جديد
استمرت التجربة، وازدادت الخبرة، وكان الطريق يبدو مهيأً للاستمرار في المحاماة.
لكن الحياة كانت تعد له اتجاهًا آخر.
أعلنت وزارة المالية عن وظائف، فتقدم إليها، وجاء قبوله متزامنًا مع انتخابات عام 1968. وعُيّن ضابط دائرة في واو الغربية، الدائرة 22.
عندما أخبر الدكتور عقيل بقراره، حاول إقناعه بالبقاء في المحاماة، لكنه اختار الوظيفة الجديدة، خصوصًا أن راتب الخريج آنذاك كان، بحسب ذكرياته، نحو 58 جنيهًا، وهو مبلغ اعتبره مغريًا في ذلك الوقت.
وهكذا ترك قاعات المحاكم متجهًا إلى واو، من دون أن يدرك أن المحطة الجديدة ستضعه أمام تجربة لا تقل إثارة.
انتخابات واو
كانت دائرة واو الغربية واسعة ومهمة، وشهدت منافسة انتخابية قوية بين عدد من المرشحين، ومن الأسماء التي ترد في الذكريات كلمنت أمبورو وجوزيف قرنق.
امتدت الدائرة إلى مناطق خارج مدينة واو، وكانت الندوات الانتخابية تتحول إلى ساحات تنافس حقيقية بين المرشحين، كل منهم يسعى إلى كسب الناخبين وإقناعهم ببرنامجه.
ويتذكر من تلك الأيام شدة المنافسة والخطاب السياسي الذي دار أمام المواطنين، وكيف كان المرشحون ينتقلون من منطقة إلى أخرى في سباق محموم على الأصوات.
ليلة النتائج
انتهت الانتخابات بفوز كلمنت أمبورو في الدائرة، وفق ما يرويه علي الريح، وكانت مرحلة إعلان النتيجة واحدة من أكثر اللحظات التي بقيت عالقة في ذاكرته.
ويستعيد كذلك وجود أمبورو في منزل مسؤول بالشرطة خلال تلك الفترة، والحوارات التي دارت بينهما بعد انتهاء الانتخابات.
كان أمبورو واثقًا من أنه سيذهب إلى الخرطوم ويتولى منصبًا وزاريًا، ووعد ضابط الدائرة بأنه لن ينسى موقفه وإدارته للانتخابات بنزاهة.
وبالفعل، عاد الجميع إلى الخرطوم، وشُكلت الحكومة، وأصبح كلمنت أمبورو وزيرًا للصناعة بحسب الرواية.
عرض مغرٍ
لم ينسَ أمبورو وعده.
قدم الى علي الريح فرصة للعمل في إحدى شركات البترول الكبرى، وأعطاه مجال الاختيار بينها، وكانت الرواتب المعروضة تفوق ما يمكن أن يحصل عليه في الوظيفة الحكومية.
كان العرض مغريًا، وربما كان قادرًا على تغيير حياته المهنية مرة أخرى، مثلما غيرتها فرصة المحاماة ثم انتخابات واو.
لكن هذه المرة تدخل الوالد.
كان رأيه واضحًا: الاستمرار في العمل الحكومي أفضل من الانتقال إلى شركة خاصة.
استجاب الابن لرغبة والده، وانتهت الانتخابات لينتقل بعد ذلك إلى وزارة الإعلام، تاركًا وراءه فرصة العمل في شركات البترول، مثلما ترك قبلها طريقًا كان يمكن أن يقوده إلى الاستمرار في المحاماة.
مفترق الطرق
هكذا تبدو القصة، بعد عقود، سلسلة من الأبواب التي فُتحت ثم أُغلقت، وأخرى ظهرت من حيث لم يكن يتوقع.
بدأ بمحامٍ شاب يدخل المحكمة للمرة الأولى ليطلب تأجيل قضية، ثم وجد نفسه بعد فترة قصيرة يناقش شاهدًا أمام أحد كبار المحامين ويخرج منتصرًا في أول اختبار مهني حقيقي.
وبينما كان الطريق يمضي به نحو المحاماة، جاء إعلان وظيفة ليحمله إلى واو ضابطًا لدائرة انتخابية في واحدة من التجارب السياسية التي بقيت راسخة في ذاكرته.
ومن واو جاء عرض شركات البترول، لكن كلمة الوالد أعادته إلى الوظيفة الحكومية، ومنها إلى وزارة الإعلام.
ولعل أجمل ما في هذه الذكريات أنها تكشف أن المسيرة المهنية لا تصنعها القرارات المخطط لها وحدها؛ ففي أحيان كثيرة تكفي قضية، أو سفر، أو انتخابات، أو نصيحة أب لكي يتغير الطريق كله.
أهم ما جاء في القصة
- بداية التجربة المهنية في مكتب عقيل وملاسي عام 1967 بعد التخرج.
- أول ظهور أمام القضاء كان في محكمة بحري لطلب تأجيل قضية.
- التدريب العملي على ملفات القضايا والتحقيق ومناقشة الشهود.
- أول اختبار حقيقي في قضية تخص شركة تأمين، ومناقشة شاهد بعد موافقة محامي الخصم.
- نجاح المناقشة وحصوله على أول مكافأة مالية من العمل القانوني.
- ترك المحاماة بعد قبوله في وظيفة حكومية بالتزامن مع انتخابات 1968.
- تعيينه ضابطًا للدائرة 22 في واو الغربية.
- معايشة منافسة انتخابية قوية انتهت، وفق روايته، بفوز كلمنت أمبورو.
- عرض لاحق للعمل في إحدى شركات البترول الكبرى.
- رفض العرض استجابة لرغبة والده، ثم الانتقال إلى وزارة الإعلام.













