من الآخر
إسماعيل محمد علي
“عودة الحياة” لبعض المدن السودانية بعد حرب الكرامة ليست مجرد تعبير مجازي، ولا تعني توقف أصوات الانفجارات فحسب؛ إنها عملية عميقة تشبه تماماً استيقاظ جسد أنهكته الظروف من غيبوبة امتدت لثلاثة أعوام. بل أراها أشبه برحلة انتقال تدريجية من “الموت” (death) إلى “الحياة” (living).
* ثلاثون يوماً قضيتها في أم درمان، متنقلاً بين أحيائها شمالاً وجنوباً وغرباً. ورغم الدمار الجزئي الذي طال المنازل بفعل الحرب، إلا أن عودة الكثير من التفاصيل الصغيرة جعلت المدينة “حية” من جديد. أصوات الانفجارات وصرخات الأبرياء استُبدلت بأبواق السيارات، وضحكات الأطفال في المدارس، وصوت الباعة الجائلين في الأسواق.
* الآن فقط يمكن لسكان أم درمان شرب قهوة الصباح دون خوف، والمشي في الشوارع دون توقع سقوط قذيفة. إنها نعمة كبيرة لم تكن لتتحقق لولا تضحيات قوات الشعب المسلحة في كل المحاور. ونتمنى أن تعود الحياة أيضاً إلى كل ولاية الخرطوم، ثم إلى بقية مدن السودان التي ما تزال تحت قبضة المليشيا الإرهابية.
* نعم، الحرب تقتل الاقتصاد، لكن عودة الحياة تعني فتح الأسواق، وتحول الناس من طوابير الإغاثة والمساعدات إلى طوابير العمل والإنتاج. وفي هذا الجانب يلزمنا كسودانيين أن نغير الكثير من أنماط حياتنا وتعاملاتنا وإدارتنا للأشياء. علينا أن نترك الاتكالية، ونتجه جميعاً نحو العمل والإنتاج.
* وأخيراً، لا يمكن تجاهل البعد النفسي والاجتماعي؛ فـ”ترميم الروح” هو الأهم والأصعب. الحرب خلّفت ضغائن داخل المجتمع الواحد، وهنا يأتي دور منظمات المجتمع المدني في رتق النسيج الاجتماعي وإعادة بناء الثقة بين الجيران وأبناء المنطقة الواحدة. علينا جميعاً تناسي مرارات الفقد، لنبدأ الحياة معاً من جديد.
* عودة الحياة بعد الحرب ليست حدثاً عادياً، بل هي انتصار إرادة الحياة على أداة الموت. إنها اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يزرع وردة في فوهة المدفع.












