عباس الماحي
مهنية الصحافة هي الالتزام بالقيم الأخلاقية والمعايير المهنية في جمع الأخبار وكتابتها ونشرها، وتهدف إلى تقديم معلومات صحيحة وموثوقة تخدم المجتمع، وتحترم عقل القارئ وحقه في المعرفة. فالصحافة، التي تُعرف بـ«مهنة المتاعب»، تقوم على أسس جوهرية، أبرزها الصدق والدقة في نقل المعلومات، والموضوعية والحياد، والابتعاد عن التحيّز، والتحقق من المصادر قبل النشر، واحترام القوانين وأخلاقيات المهنة، إلى جانب المسؤولية الاجتماعية وعدم الإضرار بالأفراد أو المجتمع. فالصحافة المهنية ليست مجرد نقل للأحداث، بل رسالة تسهم في التوعية، وبناء الرأي العام، وتعزيز قيم العدالة والشفافية.
ولنجاح أي صحيفة، ورقية كانت أو إلكترونية، لا بد من توفر كادر تحريري متكامل، يضم مسؤولًا قانونيًا وإعلاميًا عن المحتوى، ومحررين يتمتعون بمهنية عالية، ومصححًا لغويًا يضمن سلامة اللغة وجودة النصوص. كما أن الكاتب الصحفي المهني مطالب بالتحلّي بعدد من الصفات، أهمها احترام من سبقوه والاستفادة من خبراتهم، والقدرة على الكتابة السليمة، وحب الاطلاع، ومتابعة الأحداث الجارية، والقراءة المستمرة. ويجب عليه عرض الوقائع دون تحيّز شخصي، ونقل المعلومات دون مبالغة أو تحريف، مع امتلاك القدرة على التحليل وربط الأحداث بسياقها العام، والالتزام بأخلاقيات المهنة واحترام الخصوصية، وعدم نشر الشائعات أو الأخبار غير المؤكدة.
في الصحافة، ثمّة عبارات لا تُقرأ بقدر ما تُهمَس، وتُكتب أحيانًا كتحذير قبل دخول منطقة رمادية. ومن أشهر هذه العبارات وأكثرها إثارة للسخرية: «غير قابل للنشر».
وهنا نقف أمام مفارقة تستحق التأمل: إذا كان النص غير قابل للنشر، فكيف وصل إلينا؟ والأغرب أن هذه العبارة تُستخدم أحيانًا بأسلوب تسويقي لإثارة الفضول، فترافق نصوصًا منشورة بالفعل، نقرأها في الصحف، ونتداولها في وسائل التواصل، ثم نتساءل: إذا كان هذا النص غير قابل للنشر، فكيف نُشر؟
في أصلها المهني، وُلدت عبارة «غير قابل للنشر» كإجراء احترازي لحماية المصادر، أو التحفّظ على معلومات غير مكتملة، أو انتظار توقيت أنسب. لكنها مع مرور الوقت خرجت من سياقها المهني، وتحولت إلى درع لا يحمي الحقيقة بقدر ما يحمي كاتبها من تحمّل المسؤولية، وكأن الرسالة الضمنية للقارئ تقول: اقرأ، لكن لا تحاسبني.
اليوم، لم تعد العبارة تعني أن النص خطر، بل تعني في كثير من الأحيان أن الكاتب لا يملك شجاعة الوقوف خلف ما كتب. فيُكتب النص، وتُنشر الفكرة، ثم تُرفع اللافتة الشهيرة: «غير قابل للنشر»، وكأن الجميع شارك في الفعل، ثم اتفق على إعلان تبرئة جماعية.
في هذه الحالة، لا تُستخدم العبارة لحماية الحقيقة، بل لحماية أصحابها منها. والأغرب أنها باتت أكثر حضورًا من نصوص كثيرة ضعيفة أو سطحية تُنشر علنًا، وتُتداول على نطاق واسع، وتفسد الذوق العام، ومع ذلك تحصد آلاف القراءات، فيفقد المنع معناه، وتتحول السرية إلى دعاية مجانية.
في هذا السياق، لم تعد عبارة «غير قابل للنشر» علامة على الخطورة، بل على الالتباس. فلا نعرف إن كان النص جريئًا حقًا، أم أن جرأته الوحيدة هي الادعاء بأنه جريء. ويبقى السؤال الأهم: لمن تُوجَّه هذه العبارة؟ للقارئ؟ أم للضمير المهني؟ أم لخوفٍ بلا اسم؟
الصحافة، في جوهرها، فعل مسؤولية: إما أن تقول ما تؤمن بأنه يستحق أن يُقال وتتحمل تبعاته، أو تختار الصمت، وهو خيار مشروع. أما أن يُكتب النص ويُنشر، ثم يُسحب عنه الغطاء الأخلاقي مسبقًا، فذلك ليس تحفّظًا مهنيًا، بل مفارقة صحفية ساخرة نعيشها كل يوم، ونقرأها تحت عنوان ثابت:
«غير قابل للنشر».












