هلال وظلال
عبدالمنعم هلال
ـ لا أملّ أبداً من الكتابة عن فارس عبد الله، لأن الحديث عنه لا يرتبط فقط بما يقدمه داخل المستطيل الأخضر، وإنما بما يمثله من قيمة حقيقية للاعب الكرة المحترف. وفي زمن أصبحت فيه الشهرة أحياناً أعلى من الأخلاق، يظل فارس واحداً من النماذج القليلة التي تؤكد أن الاحترام والانضباط يمكن أن يصنعا مكانة أكبر من الضجيج، ولذلك كلما كتبت عنه أشعر أنني لم أوفه حقه بعد.
ـ فارس عبد الله لم يكن يوماً من اللاعبين الذين يبحثون عن الأضواء أو يفتعلون الأزمات ليبقوا في الواجهة، لكنه ظل حاضراً بثباته واحترامه وأدبه داخل الهلال، ولذلك كلما غاب عن التشكيلة الأساسية ظل اسمه محفوظاً في قلوب الجماهير، وكلما عاد وجد التقدير والاحترام في انتظاره.
ـ بدأ فارس مسيرته الكروية بصورة لافتة مع أهلي شندي، وهناك عرفه الناس لاعباً صاحب شخصية هادئة وإمكانات كبيرة في الطرف الأيسر. امتاز بالانضباط التكتيكي والقدرة على أداء الواجبات الدفاعية والهجومية معاً، لذلك لم يكن غريباً أن يلفت أنظار الهلال الذي تعاقد معه في العام 2018 ليبدأ رحلة جديدة داخل القلعة الزرقاء.
ـ ومنذ انضمامه إلى الهلال، أثبت فارس أنه صفقة ناجحة بكل المقاييس، ليس فقط فنياً وإنما أخلاقياً أيضاً، فقد ظل طوال سنواته مع الفريق بعيداً عن المشاكل والصراعات، لا يدخل في مهاترات إعلامية ولا يستعرض نفسه على حساب زملائه، بل كان دائماً لاعب المجموعة الذي يعمل في صمت ويضع مصلحة الفريق فوق كل شيء.
ـ مرّ الهلال خلال السنوات الأخيرة بظروف صعبة ومتقلبة، من تغييرات فنية وإدارية متكررة إلى تنقلات ومعسكرات خارج السودان بسبب الظروف المعروفة، لكن فارس ظل ثابتاً في تعامله وأدائه. شارك مع الفريق في الدوري الموريتاني، كما خاض مباريات وتجارب مهمة في رواندا، وكان دائماً مثالاً للاعب الملتزم الذي يؤدي دوره دون ضجيج أو شكوى.
ـ وفي التجارب الخارجية تحديداً تظهر معادن اللاعبين الحقيقية، لأن الغربة والضغوط وكثرة التنقلات قد تؤثر على كثير من العناصر، لكن فارس ظل محافظاً على هدوئه وانضباطه، ولذلك كان محل ثقة المدربين والإدارات المتعاقبة.
ـ ومن الأشياء التي تُحسب لفارس عبد الله أيضاً علاقته الممتازة بالجماهير الهلالية. فجمهور الهلال بطبيعته لا يمنح ثقته بسهولة، لكنه يحترم اللاعب الذي يقاتل داخل الملعب ويحترم الشعار خارجه، وفارس استطاع أن يكسب هذا الاحترام بسلوكه قبل مستواه.
ـ وحتى داخل غرفة الملابس، ظل فارس قريباً من زملائه ومحبوباً بينهم، يساعد اللاعبين الشباب ويتعامل بروح القائد الحقيقي. وقد تقلد شارة الكابتنية في أكثر من مناسبة عند غياب القائد الأساسي، فالقيادة في كرة القدم ليست مجرد شارة على الذراع، وإنما شخصية وانضباط واحترام، وهذه الصفات كانت حاضرة في فارس بصورة واضحة.
ـ ومن غرائب كرة القدم أن هناك لاعبين يقدمون الكثير لأنديتهم ويضحون ويبذلون جهداً كبيراً داخل الملعب، ورغم ذلك لا ينالون القدر نفسه من الرضا أو الإشادة من الجماهير. وفي الهلال يمكن أن يضع كثيرون أسماء مثل فارس عبد الله، وبوغبا، وصلاح عادل، وياسر مزمل ضمن هذه الفئة. فهؤلاء اللاعبون قدموا مستويات جيدة في فترات مختلفة، وتحملوا ضغوط المباريات والمسؤولية، وأسهموا في انتصارات عديدة، لكنهم ظلوا عرضة للانتقادات أكثر من غيرهم. وربما يعود ذلك إلى طبيعة كرة القدم التي تجعل بعض اللاعبين تحت المجهر دائماً، بينما تحظى أسماء أخرى بهامش أكبر من التسامح. ومع ذلك، فإن ما قدمه هؤلاء اللاعبون للهلال يبقى جزءاً من تاريخهم ومسيرتهم، لأن العطاء والإخلاص لا يقاسان دائماً بحجم التصفيق، وإنما بما يتركه اللاعب من أثر داخل الملعب وخدمة للشعار الذي يدافع عنه.
ـ قدم فارس عبد الله للهلال الكثير خلال سنواته مع الفريق، وكان واحداً من اللاعبين الذين حملوا الشعار الأزرق بإخلاص ومسؤولية كبيرة. دافع عن الهلال في أصعب الظروف، وحارب في كل الجبهات داخل الملعب، لا يدخر جهداً ولا يبخل بعرق أو تضحية متى ما احتاجه الفريق. ظل يؤدي واجبه باحترافية واحترام، ولذلك يستحق كامل التقدير والاحترام من جماهير الهلال، لأنه كان دائماً رمزاً للإخلاص والتفاني والانتماء الحقيقي للشعار الأزرق.
ـ قد لا يكون فارس عبد الله أكثر لاعبي الهلال ظهوراً في الإعلام، وقد لا يتصدر العناوين كل يوم، لكنه من نوعية اللاعبين الذين تحتاجهم أي منظومة ناجحة؛ لاعب يمنحك الاستقرار والثقة والالتزام، ويحافظ على احترام النادي في كل الظروف.
ـ ولذلك سيظل فارس عبد الله واحداً من الأسماء التي ارتبطت بالأخلاق والانضباط داخل الهلال، ليس لأنه كان الأعلى صوتاً، بل لأنه كان الأكثر احتراماً وهدوءاً وثباتاً.













