بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
في بواكير صباي كان كل أهل قريتي “هلالاب”! والقرية على اتساعها لم يكن فيها غير خمسة مريخاب فقط. ورغم قلة عددهم ـ حتى في هذه الأيام ـ إلا أنهم كانوا ملح المجالس وفاكهتها!
أذكر أنني عرفت الكرة في ذلك الوقت، تشجيعها ولعبها، على يد صديقي الوفي (عبد الله على الله)، الذي كان يكبرني بسنوات قليلة وكان يجيد لعب الكرة بدرجة مدهشة، مما جعل الناس يتساءلون عن عدم التحاقه بالهلال الذي يشجعه!
كان صديقي عبد الله يحدثني عن جكسا ومحمد حسين كسلا، الأمر الذي جعلني أندم حتى هذه اللحظة أنني لم أحضر (زمنهما)، وما زلت أبحث عن فنهما في (اليوتيوب)! لكنني على كل حال أدركت هلال قاقارين والدحيش.. ويا له من هلال!
لم يكن في القرية تلفزيون حتى في دكان جدي النيل! إنما كان الراديو هو الناقل الوحيد، وعلى الحسن مالك هو المتألق الـ (23)، بإضافته إلى لاعبي الهلال والمريخ!
كان على الحسن مالك بعد استلامه المكيرفون قبل بداية المباراة يبدأ في قراءة تشكيلة الفريقين (الهلال والمريخ).. الهلال، بدءا من زغبير لحراسة المرمي، أمامه فوزي المرضي (الأسد) وشوقي! ثم قُلة وشواطين، وعلى الطرف عبد الله موسى.. وهناك عز الدين الدحيش وقاقارين! أسماء تجلب الطمأنينة والبهجة والفرح والمرح ولا تخيب رجاءك وأملك أبدا، رغم وجود عمالقة المريخ على الطرف الآخر.. الهادي وسليمان عبد القادر والسر كاوندا (إن لم تخني الذاكرة) وبشارة، والرائع سامي عز الدين، والمبدع كمال عبد الوهاب! ثم حموري مع كأس الدهب!ّ
كان الثنائي المرعب (قاقارين والدحيش) يربك أي دفاع.. إجادة تهديف بكلتا القدمين والرأس! يا رجل، هذا الثنائي أبكى المذيع المصري الذي كان ينقل مباراة الهلال والمحلة! بل، يا رجل، الهلال بهذا الثنائي لعب مع سانتوس البرازيلي وتعادل معه وفيه بيليه الذي كان صنوه (شواطين).
كان نقل على الحسن مالك مثيرا وهو يصف انتقال الكرة بين الدحيش وعلي قاقارين! “الكرة عند عز الدين الدحيش، عز الدين لعلي قاقارين، علي قاقارين يمرر لعز الدين، عز الدين لعلي، علي لعز الدين…)! يا رجل، كأن الملعب ليس فيه سواهما! لدرجة تجعل أحد المريخاب الخمسة (يقتل الوقت) ويقطع المسافة من طرف القرية الجنوبي إلى الشمالي بعيدا عن المباراة والراديو، آملا أن يعرف النتيجة بعد انتهائها!
كان علي الحسن يكاد نفسه ينقطع ـ ويقطع نفسك معه ـ وهو يصف الإثارة في (خط 6)، وعندما تكون الكرة مع قاقارين ويغيب صوته وسط هدير الجماهير لا تملك إلا أن تسأل المستمعين بجوارك رغم أنك تحمل الراديو وتضعه قرب أذنك، تسألهم: قون؟؟
يا رجل، علي الحسن والكرة في (خط 6) وبتتابع عباراته يجعلك (تشوت) (كديستك) المحببة التي تستمع إلى المباراة معك!
ذلك زمن عشنا فيه أسعد أيامنا.. وما زالت ذكراه تجعل القلب له وجيب وحنين!












