في الصميم
حسن أحمد حسن
هناك أناسٌ ينظرون إلى الإنسان من جسده، من كرسيّه المتحرك، أو من طريقة كلامه، أو من قدرته على الحركة…
ثم يصدرون حكمهم سريعًا: “هذا معاق!”
وكأن الإنسان يُقاس بما ينقص من جسده، لا بما يفيض به قلبه وعقله وروحه. وهنا يجب أن نقف…
فمن قال إن الإعاقة هي أن لا تمشي؟ ومن قال إن الإعاقة أن لا تسمع؟
ومن قال إن الإعاقة أن لا ترى؟ ومن قال إن اختلاف الجسد يعني اختلاف قيمة الإنسان؟
الحقيقة التي يجب أن يتعلمها المجتمع جيدًا هي:
ليست كل إعاقة في الجسد… بعض الإعاقات تسكن العقول والقلوب.
قد ترى إنسانًا يمشي على قدميه، لكنه لا يخطو خطوة واحدة نحو الخير.
وقد ترى إنسانًا يسمع بأذنيه، لكنه أصمّ أمام وجع الآخرين.
وقد ترى إنسانًا يتحدث بطلاقة، لكنه يعجز عن قول كلمة طيبة.
وقد ترى إنسانًا سليم الجسد، لكنه عاجز عن فهم معنى الرحمة والاحترام والإنسانية.
تلك هي الإعاقة التي تستحق أن نخاف منها!
أما أصحاب الهمم، الذين واجهوا ظروفًا لم يخترها أحد منهم، ثم وقفوا في وجه الحياة، وتعلموا، وعملوا، وأبدعوا، وحاربوا نظرات الشفقة والتنمر…
فهؤلاء ليسوا بحاجة إلى شفقة أحد. هؤلاء بحاجة إلى فرصة. بحاجة إلى مجتمع يرى قدراتهم قبل إعاقتهم. بحاجة إلى مدرسة تفتح لهم أبوابها.
بحاجة إلى شارع ومواصلات ومرافق صُممت لتناسب احتياجاتهم.
بحاجة إلى وظيفة عادلة. بحاجة إلى من يخاطبهم باحترام، لا بمنطق “المسكين”. وبحاجة قبل كل ذلك إلى نظرة إنسانية تحفظ كرامتهم.
أيها المجتمع…
لا تجعلوا الطفل من أصحاب الهمم يكبر وهو يعتقد أن وجوده عبء عليكم. لا تجعلوه يسمع كلمات السخرية في المدرسة. لا تجعلوه يشعر أنه أقل من أقرانه. لا تشيروا إليه بأصابعكم. لا تقلدوا طريقة كلامه. لا تضحكوا على حركته. ولا تستخدموا اختلافه مادة للترفيه.
فالطفل الذي تضحكون عليه اليوم قد يكون أكثر إنسانية ونجاحًا منكم غدًا.
والأم التي تحمل طفلها من أصحاب الهمم وتقاتل من أجله كل يوم ليست أمًا ضعيفة…
تلك امرأة تخوض معركة عظيمة لا يراها كثيرون.
والأب الذي يساند ابنه، ويبحث له عن التعليم والعلاج والتأهيل والفرصة، لا يقوم بعمل عادي…
إنه يبني إنسانًا يتحدى ظروفًا لم يخترها. وهنا يأتي دور المجتمع.
نحن لا نريد مجتمعًا ينظر إلى أصحاب الهمم بعين الشفقة.
نريد مجتمعًا ينظر إليهم بعين الاحترام والحق والشراكة.
لا نريد أن نقول لهم: “يا مسكين…”
بل نريد أن نقول: “ماذا تستطيع أن تقدم؟ وكيف نفتح لك الطريق؟”
الفرق كبير بين الاثنين. الشفقة قد تكسر الإنسان أحيانًا. أما الاحترام فيمنحه القوة.
والدعم الحقيقي ليس أن تفعل كل شيء نيابة عنه، وإنما أن تساعده حتى يستطيع أن يفعل ما يستطيع بنفسه.
لا تسلبوا أصحاب الهمم استقلالهم باسم مساعدتهم. ولا تجعلوا اختلافهم سببًا لعزلهم عن المجتمع. هم جزء من المجتمع.
فيهم الطالب، والموظف، والمعلم، والفنان، والمبدع، والرياضي، والمثقف، وصاحب المشروع، ورب الأسرة…
وفيهم من قد يملك من الإرادة ما يفوق إرادة كثيرين ممن اكتملت أجسادهم.
لذلك… قبل أن تسأل عن إعاقته، اسأل عن إنسانيته.
وقبل أن ترى ما لا يستطيع فعله، انظر إلى ما يستطيع فعله.
وقبل أن تحكم عليه من مظهره، امنحه فرصة ليُظهر لك جوهره.
ولا تختصر إنسانًا كاملًا في كرسي متحرك، أو عصا، أو سماعة، أو اختلاف جسدي.
إنه إنسان أولًا. له مشاعر. وله أحلام. وله كرامة. وله حق في التعليم والعمل والحياة والمشاركة والاحترام. والأخطر من الإعاقة الجسدية…
أن نصنع نحن إعاقات اجتماعية جديدة بالكلمة الجارحة والنظرة القاسية والتنمر والإقصاء. فكم من طفلٍ لم تكسره إعاقته… لكن كسرته نظرات الناس.
وكم من إنسان كان يستطيع أن يبدع… لكن كلمة ساخرة قتلَت بداخله الرغبة في المحاولة.
وكم من طفل كان يمكن أن يكون ناجحًا… لكن المجتمع أقنعه منذ الصغر بأنه أقل من الآخرين.
وهذا ظلم لا يمكن تبريره. يا من تظن أنك أفضل لأن جسدك سليم…
لا تغتر. فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست في طول قامته، ولا في قوة جسده، ولا في جمال ملامحه.
القيمة في أخلاقه، وعقله، وقلبه، وما يتركه من أثر طيب في حياة الآخرين.
قد يكون الشخص الذي تسخر منه اليوم… هو نفسه الذي يعلمك غدًا معنى الصبر. وقد يكون من تراه ضعيفًا… هو أقوى منك في مواجهة الحياة.
وقد يكون من تظنه عاجزًا… هو أكثر قدرة منك على النهوض بعد السقوط.
لذلك، فلنُغيّر الكلمة قبل أن نُغيّر النظرة.
ولنقل: أصحاب الهمم… لا أصحاب الإعاقة.
لأن الهمة هي التي تصنع المستحيل. ولأن الإنسان لا يُقاس بما فقده…
بل بما صنعه بما بقي لديه.
وفي النهاية…
لا تبحثوا عن الإعاقة في أجساد أصحاب الهمم، وابحثوا عنها في قلوب من يسخرون منهم، وفي عقول من يحتقرونهم، وفي ضمائر من يحرمونهم حقوقهم.
فربما كان الجسد مختلفًا… لكن القلب عظيم. وربما كانت الحركة محدودة… لكن الطموح بلا حدود. وربما كانت الحواس ناقصة…
لكن البصيرة كاملة.
أما المعاق الحقيقي، فهو من عجز عن أن يرى الإنسان في الإنسان.
هذه ليست قضية أصحاب الهمم وحدهم…
هذه قضية أخلاقنا نحن.
فإما أن نكون مجتمعًا يرفع الإنسان… أو مجتمعًا يكسره. والاختيار بينهما يكشف…
من فينا يملك الهمة، ومن فينا يحتاج إلى أن يتعلم الإنسانية من جديد.











