الفنان المسرحي يتحدث لـ “آكشن سبورت” عن تحديات الدراما ومستقبلها
المسرح أقرب وسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية وجمع الثقافات
تكريم مكي سنادة حياً رسالة وفاء عجزت عنها أنظمة كثيرة
الحرب شتّتت المبدعين وعلينا توظيف وجودهم بالخارج لخدمة السودان
الممثلة السودانية تحدّت التقاليد وأثبتت جدارتها على المسارح العربية
حوار : الفاضل هواري ـ آكشن سبورت
أكد الفنان والمخرج المسرحي محمد عبد الرحيم قرني أن المسرح يمثل إحدى أهم الوسائل لتعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ قيم التعايش بين السودانيين، مشدداً على ضرورة استثمار التنوع الثقافي والإثني الذي يتميز به السودان في بناء مجتمع أكثر تماسكاً، وإعادة الاعتبار للفنون باعتبارها غذاءً روحياً ووسيلة للتواصل بين مختلف مكونات المجتمع.
وأشاد قرني المتواجد في الرياض، في حوار مع «آكشن سبورت» ، بمبادرة تكريم رائد المسرح السوداني مكي سنادة، معتبراً أن تكريم المبدعين في حياتهم يمثل أسمى صور الوفاء والعرفان. كما تحدث عن تجربته الممتدة في المسرح والدراما، وتدريب أجيال من الفنانين، ومشاركاته الخارجية، وأوضاع المبدعين السودانيين بعد الحرب، ومستقبل المسرح ودور المرأة في الحركة الفنية.
بدايةً، من هو محمد قرني؟
أنا محمد عبد الرحيم قرني. درست جميع المراحل الدراسية في الخرطوم، ثم التحقت بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح، وتخرجت في قسم الإخراج والتمثيل. عملت بعد ذلك في مصلحة الثقافة بمنطقة النيل الأزرق، وأسست مجموعة فنية تشكيلية ومسرحية وثقافية، وما زلت أتواصل مع الشباب الذين درّستهم هناك.
ثم انتقلت إلى قصر الشباب والأطفال بأم درمان، وعملت أستاذاً ورئيساً لقسم الإخراج لمدة اثني عشر عاماً، وتخرج على يدي عدد كبير من الشباب والشابات، أصبح بعضهم من نجوم الساحة الفنية.
من أبرز الذين تتلمذوا على يديك؟
أحيي الأستاذ محمد بشير دفع الله، رئيس قسم الدراما بقصر الشباب والأطفال، وأذكر من الطلاب عبد العزيز العميري، وعفاف الصادق حمد النيل، والدكتور محمد فتحي متولي، والطيب إبراهيم. كانت دفعة متميزة في النقد والتمثيل والإخراج، وقد رحل بعض أفرادها إلى رحمة الله، بينما بلغ آخرون سن التقاعد.
وماذا عن مشاركاتك الخارجية؟
شاركت في مهرجانات بموسكو وألمانيا ودول الخليج وإثيوبيا، واستطعنا التعريف بالثقافة السودانية خارجياً. وحصلنا على جوائز عربية في الإذاعة والتلفزيون، من بينها عمل «دومة ود حامد»، كما أقمنا علاقات ثقافية وفنية مع مؤسسات خارج السودان.
وقدمت أعمالاً وجولات فنية في النيل الأزرق ودارفور والخرطوم وبورتسودان، إلى جانب ورش تدريبية وعروض وأوراق متخصصة في تطوير الثقافة.
ما الرسالة التي تسعى إلى إيصالها عبر الدراما؟
أعتقد أن الفن هو الغذاء الرئيسي للشعب السوداني، وأقرب وسيلة لتحقيق الوحدة الوطنية. السودان غني بتنوعه الثقافي والإثني، وإذا أحسنا توظيف هذا التنوع عبر الفنون، أمكننا تعزيز التواصل والتعايش بين مكونات المجتمع.
المسرح أبو الفنون، لأنه يجمع التشكيل والرقص والموسيقى والغناء والحركة والفكرة، ولذلك ينبغي الاهتمام بإنشاء المراكز ودور الثقافة، وتوفير البيئة المناسبة للإبداع.
أي اتجاه مسرحي تفضّل؟
أؤمن بأن المسرح ينبغي أن يذهب إلى الجمهور، لا أن ينتظر الجمهور داخل المباني. لدينا ضعف في البنية التحتية، ولم تحظَ الفنون بالاهتمام الكافي من الدولة، ولذلك على الفنان أن يطوّع الظروف المتاحة ويبتكر وسائل للوصول إلى الناس.
وهل سبق أن قدمتم عروضاً في الهواء الطلق؟
نعم، خصوصاً في الأقاليم البعيدة التي تفتقر إلى المسارح والكهرباء. استفدنا من المدارس وظلال الأشجار الكبيرة لإقامة العروض وجمع الجمهور، واعتمدنا على البيئة المحلية لتقديم أعمالنا.
كيف استقبلت مبادرة تكريم الأستاذ مكي سنادة بالرياض؟
كنت سعيداً جداً بهذه المبادرة لتكريم قامة مسرحية ودرامية كبيرة مثل الأستاذ مكي سنادة.
أن يُكرَّم المبدع وهو حي بين الناس، فهذا هو الوفاء الحقيقي. وأعتقد أن المبادرة أنجزت ما عجزت عنه أنظمة كثيرة في السودان، لأن تكريم مكي سنادة هو تكريم لجميع الفنانين السودانيين.
وما الرسالة الأهم في تكريم المبدعين خلال حياتهم؟
أجمل ما في تكريم المبدع الحي أنه رسالة شكر صادقة. المبدع لا يحتاج دائماً إلى المال بقدر حاجته إلى الاعتراف بعطائه، وأن يسمع كلمة «شكراً» من القلب.
هذا التقدير يمنحه دافعاً للاستمرار، ويشجع الأجيال الجديدة على الإسهام في الحضارة الإنسانية.
لفت الأنظار تفاعلك بالرقص التعبيري خلال حفل تكريم مكي سنادة؟
نحن الفنانين نتفاعل بطبيعتنا مع الإيقاعات المختلفة، والرقص التعبيري جزء من إحساسنا الداخلي. أردت التعبير عن أننا لسنا متعالين على شعبنا وثقافته، وأن الفنان يتفاعل بصورة تلقائية مع الفرح والإيقاع.
كيف تنظر إلى وجود عدد كبير من المسرحيين السودانيين في السعودية؟
أولاً، الحمد لله على سلامة الذين تمكنوا من الخروج من الحرب اللعينة، التي فقدنا خلالها الكثير من المبدعين.
وجود الفنانين السودانيين في المملكة لا ينبغي أن يكون لمصالحهم الشخصية فقط، بل لخدمة الشعب السوداني. عليهم تقديم أعمال تتناسب مع هذه المرحلة، وتحافظ على القيم والأخلاق والهوية الفنية السودانية.
هل أنت راضٍ عن واقع المسرح السوداني، وهل تتوقع عودته؟
لدينا مشاريع وأفكار جديدة لمرحلة ما بعد الحرب، كما استفدنا من تجارب أشقائنا العرب في القاهرة والرياض والدوحة.
سنعود إلى السودان محمّلين بخبرات وإبداعات جديدة في مجالات متعددة. المسرح قادر على استعادة دوره، لأنه يجمع مختلف الفنون ويخاطب الإنسان بصورة مباشرة.
تُعرف بنقدك المستمر للعمل المسرحي، لماذا؟
طبيعة عملي أستاذاً للدراما تجعل النقد جزءاً أساسياً من تجربتي. العمل الفني في جوهره يقوم على النقد البنّاء وإصلاح الأخطاء، والفن نفسه وسيلة لمواجهة الظروف الخاطئة التي يعيشها الإنسان، بما فيها الحروب وما تخلّفه من دمار.
والنقد ليس موجهاً للأشخاص، بل لتطوير العمل الإبداعي والارتقاء بمستواه.
هناك من يرى أن إنتاجك في كتابة النصوص أقل من عطائك في التدريس والتمثيل؟
مارست التدريس وكتابة النصوص الدرامية للتلفزيون والمسرح، خصوصاً خلال عملي بقصر الشباب والأطفال بأم درمان، وشاركت في التمثيل داخل السودان وخارجه.
كما عملت مع فنانين سوريين في مسلسلين من إخراج المخرج الكبير نجدت أنزور، وكنت سعيداً بمشاركة الأستاذ مكي سنادة في مسلسل «قمر بني هاشم» الذي تناول السيرة النبوية.
حقق المسلسل انتشاراً واسعاً، وتُرجم إلى خمس لغات، بينها التركية والماليزية والإنجليزية، وعُرض في عدد كبير من المحطات العربية، ولا يزال يُعرض خلال شهر رمضان.
هل للشعر الكثيف واللحية دور في تكوين شخصيتك الفنية؟
المظهر جزء من الاستعداد للشخصيات المختلفة، وليس ضرورياً استخدام الأصباغ والمكياج في كل عمل. هناك ملامح يصعب تغييرها، فتمثيل الشاب لدور الأب مثلاً لا يعتمد على المكياج وحده، وإنما على فهم مراحل الشخصية وتطورها.
هل أنصفت الدراما السودانية الممثلة، ولماذا انحصر دورها أحياناً في الأمومة؟
أحيي الرائدات اللواتي اقتحمن مهنة التمثيل، فقد دفعت المرأة السودانية ثمناً كبيراً بسبب العادات والتقاليد، ودخلت هذا المجال من ثقب ضيق، لكنها صمدت وأثبتت قدراتها.
واليوم نشاهد مشاركات نسائية متميزة في الدراما والمسرح والفنون التشكيلية، وأصبحت الممثلة السودانية قادرة على الإسهام في بناء مسرح متطور، والمشاركة في المهرجانات الخارجية أسوة بزميلها الرجل.
أخيراً، هل أنت راضٍ عن مسيرتك؟
أنا راضٍ إلى حد كبير عن مسيرتي، وعن الذين تعاونت معهم، وعن الأجيال التي أسهمت في تعليمها وتدريبها. لكنني أظل قابلاً للنقد، لأن النقد أساس التطور، وما أتعلمه لنفسي أحرص على نقله إلى الآخرين.















