على حافة الضوء
دكتور عمار برهان
في ذات الليلة الرهيبة التي اتخذت فيها شجيرة (السيسبان) فارعة الطول القائمة في فناء دارنا قرارها النهائي، أصابني الذعر دون معرفة السبب المباشر حول ما ينتابني، كنت قد خرجت مسرعاً إلى ساحة البيت محاولاً البقاء ولو قليلاً خارج إطار القشعريرة التي تمددت ولفت الموجودات كلها بلونها القاتم كوشاح الليل شديد السواد، الخوف الذي يتسرب مع الظلام ينهض فجأةً من أعماق الروح حين نستشعر ما تعجز الحواس عن تسميته، وكأن القلب يسبق العقل إلى الحقيقة ويتعثر في ظلالها.
لم أستطع التمييز بين الاستثنائي والمعتاد في هذا الموقف، لكن الظنون السيئة كانت تحيط بي من كل جانب مثل جدران غرفة عتيقة متهالكة تطوق الأثاث الذي بداخلها، بقيت لوهلةٍ قصيرةٍ محاصراً بأسرابٍ من الغموض لم تترك لي مجالاً للفهم أو الانزواء، لم أكن شديد التفاؤل بما يجري لمعرفتي المسبقة بخطورة القرارات التي تتخذ في مثل هذا الوقت من الليل، وبدافع الفضول وقفت واجماً قبالة أحد أغصانها الرقيقة كي أتمكن من التقاط أي دلائل ملموسة تكذب الاحتمال.
بقيت ساكناً دون حراكٍ حتى اعتدت الإبصار داخل نسيج الظلام الدامس، مشاعري القلقة كانت تبحث عن جوهر المعنى تحت جنح الليل ولكنها تبعثرت وتناثرت بعيداً وفقاً لاتجاه نسمةٍ تائهةٍ ضلت طريقها، طافت بالمكان وحلقت بعد ذلك عالياً عبر الفضاء الممتد فوق شجيرة (السيسبان)، الآن فقط أشعر بأنفاسها الدافئة ولا أراها، أفهم كثيراً عن الأشياء من حولنا، تلك التي لا نراها وهي ماثلة كحقائق أزلية لا يمكن دحضها لمجرد غيابها عن الأنظار، عدم رؤيتنا لها لا ينفي قطعياً وجودها الفعلي وتأثيرها الممكن فالوجود أوسع من نافذة البصر، وما نعده غائباً قد يكون أشد حضوراً مما نعتقد لأن الحقيقة لا تستمد كيانها من اعترافنا بها وإنما تبقى قائمةً لو أدرنا لها ظهورنا.
خطوة جريئة أخرى إلى الأمام جعلتني أقترب منها حذراً مع الحفاظ على مسافة قصيرة كتلك التي تفصل بين الوجود والعدم، مددت يدي وتحسست أقرب أغصانها إليَّ فوجدته رقيقاً جداً بعدما أصابه الوهن لدرجة أنه لا يحتمل المزيد من ضغط أصابعي، تركت الغصن في راحتي لبرهةٍ قصيرةٍ فاقتحمتني الرهبة بعنفها الذي لا يطاق، أحسست بذلك الحزن الطاغي الذي يعتصر فرائسه بصمت ثم يدفعها إلى جوفه دفعةً واحدة، بدا لي الغصن وكأنه عمر كامل اختصرته الحياة في لحظةٍ واحدةٍ ليذكرني بأن القوة ليست وعداً بالبقاء وأن كل ما يزدهر يحمل في داخله إمكانية الذبول كما يحمل الصباح بذرة المساء.
في تلك الدقائق المعدودة من عمر هذا الكون اللامتناهي استمعت بدقةٍ إلى كل الأصوات التي لا أسمعها عادةً، وأبصرت كل الأشياء الخفية عن عالمي، بكيت بحرقةٍ مريرةٍ وأنا واقف بين براثن الذبول، يكبلني العجز ويمنعني من القيام بفعل أي شيء، بينما في تلك الأثناء بدأت جذوة الحياة تتسرب من الغصن شيئاً فشيئاً على نحو يتحكم في مساره القدر وحده.
أعترف بأنني قد عشت تجارب مثيرة خلال حياتي، بعضها كان زاهياً ومضيئاً والآخر واهٍ لدرجة الخفوت، فيما مضى حاولت جاهداً تقديم أقصى ما لدي ولكن كل ذلك لا يعادل هذه اللحظة المصيرية والفارقة في نظري، غصت بعيداً في أعماق ذاتي كي أدرك بعض الحكمة الكامنة في تفاصيل العالم من حولي، فهمت أن أشياء فظيعة يمكن أن تحدث في أي وقتٍ دون سابق إنذارٍ وأنَّ من لم يتحسب للعواقب جيداً فعليه تحمل النتائج كيفما كانت، فهمت أن الحكمة قد تمنح الألم معنىً يمكن احتماله، غير أنني لا أعرف شيئاً بالتحديد عن درجات العذاب والألم التي وصلت إليها مقاييس هذه الليلة المرعبة، لا أعرف ما الذي ستمليه علي الضرورة الآن أو ما الذي يتوجب علي فعله، لكنني أعلم في قرارة نفسي جيداً أن شجيرة (السيسبان) هذه قد اتخذت قرارها المصيري، وإلى الأبد.













