هلال وظلال
عبد المنعم هلال
ـ وقف لاعبو منتخب دولة لا يتجاوز عدد سكانها نصف مليون نسمة أمام حاملة لقب كأس العالم الأرجنتين بقيادة ليونيل ميسي وقاتلوا حتى الدقيقة 111 قبل أن يسقطوا 3-2 بعد التمديد.
ـ لم تكن تلك مجرد مباراة بل كانت خاتمة لواحدة من أكثر القصص إلهاماّ في تاريخ كأس العالم قصة الرأس الأخضر (كابو فيردي)، الدولة الأرخبيلية الصغيرة التي حولت غياب الموارد إلى حافز بينما لا تزال دول أفريقية أكبر مساحة وسكاناً وتاريخاً كروياً وفي مقدمتها السودان تراوح مكانها.
ـ السؤال الأهم الذي يوجعنا كسودانيين لماذا تقدم الجميع ونحن في مكاننا ..؟ ليس في مكاننا فحسب بل تقهقرنا إلى الخلف.
ـ تأسس اتحاد الكرة بالسودان عام 1936 وتأسس اتحاد كرة القدم بالرأس الأخضر في عام 1982 .
- الانضمام للفيفا السودان عام 1948 والرأس الأخضر 1986.
ـ الانضمام للكاف الرأس الأخضر في عام 1986 (وذكرت مصادر أخرى 2000/2001 كتاريخ الانضمام الفعلي للمنافسات القارية) والسودان عضو مؤسس في عام 1957.
ـ أول مباراة دولية الراس الأخضر 1978 والسودان 1955.
ـ أول تأهل لكأس العالم الرأس الأخضر عام 2026 (المشاركة الأولى في التاريخ) والسودان لم يتأهل ولا مرة.
ـ الفارق هنا صادم بكل المقاييس المنطقية دولة بحجم حي صغير من أحياء الخرطوم تأسس اتحادها الكروي بعد اتحاد السودان بنحو 46 عاماً وتأخرت في الانضمام إلى الفيفا والكاف بعقود نجحت في الوصول إلى ما عجز عنه السودان طوال قرن من الزمن تقريباً.
ـ القصة ليست وليدة الصدفة، بل نتاج مسار طويل من الانضباط والاستثمار في القاعدة والاعتماد الكبير على مغتربي الجزيرة في أوروبا (خصوصاً البرتغال وهولندا) الذين لعبوا دوراً محورياً في رفع مستوى المنتخب على مدى السنوات الأخيرة بعد مشاركات متكررة في كأس الأمم الأفريقية (2013، 2015، 2021، 2023) صقلت خبرة اللاعبين والجهاز الفني.
ـ في التصفيات، تجاوز (القروش الزرقاء) جميع الحسابات وحجزوا مقعدهم التاريخي في نهائيات 2026 ليجدوا أنفسهم في مجموعة تضم إسبانيا والأوروغواي والسعودية وهنا بدأ الإنجاز الحقيقي تعادل مثير أمام إسبانيا وتعادل قوي أمام الأوروغواي 2-2 وتعادل سلبي حاسم أمام السعودية.
ـ بهذه النتائج أنهى الرأس الأخضر دور المجموعات دون أي خسارة في مشاركته الأولى.
ـ وفي دور الـ32 جاءت المكافأة الكبرى مواجهة الأرجنتين حاملة اللقب شهدت مسلسلاً من الإثارة لتنتهي المباراة المباراة لصالح الأرجنتين 3-2. بعد التمديد، لتخرج الرأس الأخضر من البطولة مرفوع الرأس.
ـ هذه هي القصة دولة صغيرة بلا موارد ضخمة وبلا تاريخ كروي طويل حولت الانضباط والتخطيط إلى سلاح واجهت به عمالقة الكرة العالمية.
ـ المقارنة هنا ليست تحاملاً على السودان بقدر ما هي محاولة لفهم الفجوة فبينما امتلك السودان اتحاداً كروياً عريقاً وموقعاً تأسيسياً في صناعة الاتحاد الأفريقي لكرة القدم نفسه عبر الدكتور عبد الحليم محمد وتاريخاً حافلاً بلقب أمم أفريقيا 1970 ووصافتين في 1959 و1963، إلا أن هذا الإرث الكبير لم يتحول إلى استثمار حقيقي في المستقبل.
الأسباب التي يطرحها كثير من المتابعين والمهتمين بالشأن الكروي السوداني تتلخص في غياب الاستقرار الإداري وتعاقب أزمات وصراعات على رئاسة الاتحاد ورئاسة الأندية الكبرى وخلافات إدارية متكررة أثرت على استمرارية أي مشروع كروي طويل النفس وضعف الاستثمار في القاعدة والأكاديميات بينما اعتمدت دول مثل الرأس الأخضر على أبناء المهجر المحترفين في الدوريات الأوروبية لم يُستثمر بالقدر الكافي في اكتشاف وتأهيل السودانيين المغتربين وأبناء الجيل الجديد.
إضافة إلى البنية التحتية المتهالكة ونقص الملاعب المطابقة للمعايير الدولية ومراكز التدريب الحديثة مع غياب رؤية استراتيجية طويلة المدى إذ تُدار الكرة السودانية غالباً بردود أفعال آنية لا بخطط تنموية ممتدة على غرار ما فعلته دول قارية أصغر بكثير والنتيجة أن دولًا لم تكن تُذكر في الخارطة الكروية قبل عقدين مثل الرأس الأخضر تجاوزت السودان وتفوقت عليه بينما بقي منتخب (صقور الجديان) ينتظر تأهله الأول لكأس العالم منذ تأسيس اتحاده قبل 90 عاماً.
ـ الكورة في العالم ماشة لقدام وكورتنا مكبلة بعقليات ناس معتصم جعفر واسامة عطا المنان ..!
ـ عندما تصل دولة لا يتجاوز عدد سكانها نصف مليون نسمة إلى ثمن نهائي المونديال وتخسر بصعوبة أمام الأرجنتين بينما يقف السودان بكل تاريخه وإمكاناته خارج الحسابات فإن السؤال المشروع الذي يطرحه كل مشجع سوداني هو متى تتحمل الإدارات المتعاقبة مسؤوليتها الحقيقية تجاه هذا الملف ..؟
ظل أخير
إذا لم يبتعد ناس زعيط ومعيط عن ملف إدارة الكرة السودانية فلن تتجاوز كرتنا مرحلة الفنجيط.











