تباشير
د.وليد محجوب
دفعت حرب الجنجويد السودانيين إلى النزوح في أماكن مختلفة من هذا العالم. أماكن يألفون بعضها، ويهابون الاقتراب من أخرى. أماكن تصنع الرهبة، وصور نمطية تحجب عنهم حقائق الأمكنة، حاجزاً يمنع من مجرد الاقتراب من أسوارها. وأماكن يجهلونها تماماً رغم قربها منهم.
لا شك أن المتدبر لسمات الشخصية السودانية يدرك مدى صعوبة تقبلها لتغيير عاداتها. فنمط الحياة يسير بذات الوتيرة منذ آلاف السنين، لذلك تحاك الجلابية بـ(تلاتة زراير). ولن تجد ترزي يتجرأ على خياطة (كَرْشَليقَها) بأربعة زراير. وعلى ذات النسق، حين يخرج أهل السودان من بلادهم مستشفين، أو لقضاء إجازة، أو الاستمتاع بشهر العسل، لا تتغير وجهات ترحالهم. تظل تتكرر في كل مرةٍ كما تتكر (زراير) الجلابية التلاتة. وكأن كسر طوق السفر المتكرر لذات الأماكن كبيرة، وملازمته فضيلة. فضيلة تجبر كسر الغير، وتجمِّل قبح المكان الكان نضير في يومٍ ما، وتغض الطرف عن التقصير حين نغشاها من حين لآخر. ذلك فقط لأننا شعب يرضى بالقليل.
ثم احتملت جلابية النزوح قسراً (أربعة زراير) بعد أن أكتشف السودانيون، مدناً غريبة جديدة عليهم. ما كان أحد منهم يظن أنه سيطرق أبوابها يوماً. وبلغة المجاملة التي نجيدها، وطبعنا الذي يقبل بالقليل، سكبنا عليها عبارات التدليل والغزل، رغم جرأة بعضها علينا. فكل ما هو غريب جميل في عيوننا. وكل ما هو قريب قرب الأوردة من قلوبنا مهترئ وسميل.
أصابتني الدهشة من غزل الكثيرين في المدن الغريبة. لو كانت هذه المدن حساناً مثل كواعب تتدلل، أو أن لهجها يقطر سكر، لوجدت لهم ألف عذر. ولو أن مدن السودان كانت أقل منها جمالاً لشهدت لهم برفعة الذوق. لكننا صرنا مثل الفرزدق حين طلق بنت عمه النوار المليحة، وتزوج حدراء بنت زقام القبيحة، ثم قال:
نَدِمْتُ نَدامَةَ الكُسَعِيِّ لَمّا
غَدَتْ مِنِّي مُطَلَّقَةً نَوارُ
وَكانَتْ جَنَّتِي فَخَرَجْتُ مِنْها
كَآدَمَ حِينَ أَخْرَجَهُ الضِّرارُ
فهل استبدلنا مظاهر لا نقبلها في مدننا بأخرى لا تُحتمل في المدن الغريبة؟ أتُرى أن ذوقنا بهذا التردي؟ أم أن نظرية (التلاتة زراير) تضرب بقوة، فتصيبنا بعين الرضا عن عيوب الآخرين. ليس ذلك فحسب، بل ترفعهم درجات على مدننا دون وجه حق.
إنها ليست مسألة جمالٍ آسر ولا عمارة بديعة، بل مسألة عينٍ اعتادت على الرضا بالقليل من الغريب، والقسوة على الحبيب. وكأننا ننسى أن الخرطوم، بجراحها وخيباتها، ما زالت تضمُّ بين ضلوعها حضارةً لم تصنعها صدفة، وتاريخاً لم يكتبه نزوحٌ عابر.
كيف لنا أن نشتري ملامح مدينةٍ غريبة أقل من حُسن الخرطوم، فقط لأنها ظلت مهوى أفئدة يُبْهِرُها كل ما هو غريب، بينما تملك التاريخ العريض والحاضر الأفضل. فالحسنُ ليس فيما نجهل، بل فيما نعرف وإن أضعناه. فلتعُد عين المُحب إلى مدننا، ولتغرُب عين الناقم عليها. حتماً سندرك يوماً أن ما كنا نبحث عنه في المدن الغريبة كان ينتظرنا على ضفاف النيل، لكنا لم نعرفه.












