صرح جديد يجسد تطلعات السودانيين في جدة

القنصلية الجديدة.. حلم يتحقق
سالم يضع حجر الأساس باسم حكومة السودان
حلم السودانيين بجدة يقترب من الاكتمال
معلم جديد يوثق سنوات العمل والعطاء بجدة
القنصلية تفتح عهدًا لخدمة السودانيين
جدة ـ أسماء إدريس ـ أكشن سبورت
في حياة الأوطان لحظات لا تمر مرورًا عابرًا، لأنها تختصر سنوات من الصبر والعمل والتحديات، وتكشف معدن الرجال الذين حملوا المسؤولية بإيمان وتجرد. ويأتي الخميس 27 أغسطس 2026 يومًا تاريخيًا لأبناء الجالية السودانية بجدة، مع وضع حجر الأساس لاستكمال مبنى القنصلية العامة لجمهورية السودان، ليقترب حلم طال انتظاره من أن يصبح واقعًا.
القنصلية الجديدة ليست مجرد مبنى من الحجر والإسمنت، بل عنوان لمرحلة جديدة من العمل المؤسسي، ومؤسسة أكثر قدرة على خدمة المواطن السوداني وتلبية احتياجاته.
حجر الأساس
يضع السفير محي الدين سالم أحمد إبراهيم، وزير الخارجية والتعاون الدولي، حجر الأساس باسم حكومة جمهورية السودان، إيذانًا باستكمال أعمال البناء والتشطيب والتجهيز، وصولًا إلى مقر حديث يليق برسالة القنصلية ودورها.
وتحمل الخطوة دلالات وطنية تؤكد الاهتمام بتطوير مؤسسات السودان الخارجية، وتعزيز قدرتها على خدمة المواطنين، خاصة في المملكة العربية السعودية التي تضم جالية سودانية كبيرة.
ويأتي المشروع ثمرة لجهود متواصلة بذلها دبلوماسيون وموظفون وعاملون بالقنصلية، ظلوا يؤدون واجبهم في ظروف استثنائية، خصوصًا خلال الحرب وما صاحبها من ضغوط وتحديات.
رجل المرحلة
وفي هذه المناسبة، يبرز اسم القنصل العام الدكتور كمال علي عثمان طه، الذي ارتبطت فترة عمله بمرحلة مهمة من تاريخ القنصلية، ولم يكن مجرد مسؤول دبلوماسي، بل جمع بين هيبة المسؤول وتواضع الإنسان والحزم الإداري والقرب من الناس.
فتح مكتبه للجميع، وقبل ذلك فتح قلبه لهم، ولم يجعل البروتوكول حاجزًا بينه وبين أبناء الجالية، بل كان حاضرًا في مناسباتهم وقضاياهم، يستمع ويسعى إلى تقديم ما يستطيع من خدمة.
كان مع موظفيه موظفًا، ومع أبناء جاليته مواطنًا، ومع طالب الخدمة أخًا يسعى لبذل الجهد من أجله، ولذلك أصبح قريبًا من قلوب الكثيرين.
موقف إنساني
ولعل من المواقف التي كشفت عن معدنه الحقيقي، موقفه مع طلاب الشهادة السودانية الذين وصلوا إلى جدة في ظروف صعبة لأداء الامتحانات.
وصل بعض الطلاب قبل أيام قليلة من موعد الامتحانات، يحملون القلق من أن تتسبب ظروف الحرب في ضياع مستقبلهم. وكنت شاهدة على تعامل الدكتور كمال معهم؛ فلم يرَ فيهم مجرد معاملات، وإنما أبناء وطن يحتاجون إلى الدعم والاحتواء.
تحرك من أجل ترتيب جلوسهم للامتحانات، حتى لا تكون الحرب سببًا في ضياع أحلامهم. وكان ذلك الموقف تجسيدًا لمعنى الوطنية التي تظهر في الأفعال عندما تشتد الظروف، وإيمانًا بأن الحفاظ على مستقبل الطلاب هو حفاظ على مستقبل السودان.
ظروف الحرب
خلال الحرب تضاعفت مسؤوليات القنصلية، ووقف الدكتور كمال إلى جانب السودانيين القادمين إلى جدة، وحرص على متابعة أوضاعهم وتسهيل الإجراءات والخدمات، مع اهتمام خاص بالطلاب والامتحانات في مختلف المراحل.
وشهدت القنصلية خلال فترة عمله اهتمامًا بتطوير الخدمات وتسريع استخراج الجوازات والوثائق الرسمية وإنجاز المعاملات، والعمل على تقريب المؤسسة من المواطن.
كما أسهم في دعم مسيرة العمل العام داخل الجالية من خلال تكوين لجنة التسيير للتوافق والإعمار، بهدف توحيد الجهود والتهيئة لمرحلة جديدة من العمل المؤسسي، تمهيدًا لتكوين الجمعية العمومية للجالية السودانية بجدة، المقرر انعقادها في الأول من أكتوبر بعد غياب امتد أكثر من أحد عشر عامًا.
تقدير واسع
ولم يكن غريبًا أن يطالب عدد من أبناء الجالية بتمديد فترة عمل الدكتور كمال، تقديرًا لما قدمه خلال مرحلة استثنائية، كما طالبت الأسرة الإعلامية السودانية بجدة باستمراره، لما لمسته من قربه من الناس وتعاونه مع الإعلاميين ودعمه لكل ما يخدم قضايا الوطن والجالية.
لكن وزارة الخارجية أوضحت أن انتهاء مهمته في المملكة جاء بناءً على طلبه الشخصي لظروفه الصحية. ورغم أمنيات الكثيرين باستمراره حتى اكتمال مبنى القنصلية وافتتاحه، فإن الصحة تبقى فوق كل اعتبار.
ومغادرة الموقع لا تعني غياب الأثر؛ فالرجال لا تقاس قيمتهم بطول بقائهم في المناصب، وإنما بما يتركونه من مواقف في حياة الناس.
شكر المملكة
وفي هذه المناسبة، تمتد التحية والتقدير إلى حكومة المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، على التعاون والتسهيلات المقدمة للمؤسسات السودانية، بما يعكس عمق العلاقات التاريخية والأخوية بين البلدين.
وظلت المملكة حاضرة بمواقفها تجاه السودان وشعبه، خاصة خلال الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد.
ذاكرة باقية
إن وضع حجر الأساس لاستكمال مبنى القنصلية الجديدة ليس مجرد مناسبة إنشائية، بل محطة للوفاء واستحضار جهود كل من أسهم في تحويل الحلم إلى مشروع يمضي نحو الاكتمال.
وسيظل الصرح شاهدًا على مرحلة من العمل والعطاء، فيما يبقى اسم الدكتور كمال علي عثمان طه مرتبطًا بمرحلة مهمة من تاريخ القنصلية السودانية بجدة، بعدما جعل خدمة المواطن والوطن في مقدمة أولوياته.
نسأل الله أن يمنحه الصحة والعافية ويوفقه في خطواته المقبلة.
فالحجر الذي يوضع اليوم يبني صرحًا للمستقبل، أما الرجال الذين يخدمون بإخلاص، فيبنون ذاكرة لا تسقط ويخلدها التاريخ.













