أفق بعيد
سيف الدين خواجة
سؤالٌ محيّر: كيف انحدرنا إلى ما نحن فيه؟ فهل صدقت نبوءة المحجوب عام 67، وبعده محمود محمد طه حقًا، فصرنا إلى ما ترى ؟!!!
حين نتذكر الأجيال السابقة؛ آباء الاستقلال، والجيل الذي تلاهم، ثم جيلنا الوسيط في كل مناحي الحياة، ترى عمالقة في منحى من مناحي التعليم إلى الصحة، إلى التعليم، إلى الرياضة. وحين نذكر الرياضة يخطر ببالي دومًا الأمير، والقانون، ورجل الثواني وغيرهم. فهل صدق مبدأ أمير المؤمنين سيدنا عمر حين سأله: كيف حال الرعية يا أبا الحسن؟ فكان الرد أمام أهل البلاغة، والذي يعتبره العقاد أبلغ قول بعد الرسول، قوله الموجز الذي يحتاج لمجلدات لتفسيره: (يا أمير، عدلت فأمنت الرعية، ولو رتعت لرتعوا). كلما كانت القيادة عادلة ومنصفة، ولها قيم وسلوك، كانت الرعية كذلك!!!
لذلك ليس غريبًا أن يخطر ببالي الأمير صديق؛ دقته وانضباطه وسلوكه القويم وعزة نفسه الأبية. كان مبدعًا في فنون الكرة، وكان في مهنته بارعًا، وصل مساعد المراجع العام بدرجة وكيل وزارة. أحبته الجماهير بمختلف ألوانها، وأحبه من عملوا معه، وكانت صداقاته كلها نخبوية. وحين يكتب رجل مفكر في مقام منصور خالد عن الأمير، ينتهي الكلام ولا زيادة لمستزيد.
ولما يُذكر الأمير، لا بد أن يُذكر الصنو بالصنو الكابتن أمين زكي ليعتدل ميزان القياس والعدل، ولا يتأرجح خوارًا كفروع البان، والبان شجر خوار، وما عهدنا في النجمين شيئًا من ذلك في الطبيعة. فقد كان القانون برعي الوسيم لاعبًا نال لقب قانون الكرة، كأنه أينشتاين، مما جعل للكرة قانونًا يجمع بين الفيزياء والكيمياء والأوزان والأحجام. وإلى جانب ذلك كان مشرفًا تربويًا لمادة اللغة في وزارة التربية والتعليم. فأي عملاق هذا؟ كان مثل وطنه عملاقًا قمةً وقاعدة!!!
ولا يُذكر القانون حتى يُذكر البرق الخاطف، رجل الثواني، دريسة. كان ضابطًا تقنيًا في الاتصالات السلكية واللاسلكية، علمًا وأدبًا وقامةً رفيعة، حتى أُطلق عليه لقب رجل الثواني، وكأنه نقل مهنته الدقيقة إلى فنون الكرة. يقول أحد المشاهدين: لا أخرج لآخر دقيقة ودريسة موجود، ولم يحدث أن خذلني. اعتزل فاعتزلت!!!
شهدته في تمارين أواخر أيامه، كان شيئًا مدهشًا. وسألت نفسي: كيف كان أوان شبابه؟ شيء لا يُصدق، شيء خرافي!!!
لكن تزول الحيرة حين تدرك أن الوطن كله كان كذلك، وكنا شبابًا نزهو بحال وطننا ونفاخر. ما مشكلة إلا وكان سهمًا ضاربًا في حلها لرجال أكفاء في مجالهم. صدق من قال: حال أي دولة من حال قيادتها. فحالنا اليوم تيهٌ وميق، تتداعى علينا الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها. وصدق من قال: سيفقد هذا الوطن كلمته، أي سيادته، وسيتعب المواطن في لقمة عيشه ولا يجدها. كيف لا وقد رحل أولئك العمالقة من كل مناحي الحياة إلى ما ترى من محنة؟!!!










