داخل السرب
أيمن مبارك أبوالحسن
هناك حكاية متداولة في أدبيات الإعلان عن رجل أعمى كان يجلس على قارعة الطريق وأمامه لوحة مكتوب عليها: (أنا أعمى… ساعدوني من فضلكم).
كان المارة يعبرون لا يلقون للأعمى بالاً حتى إذا مرّ عليه رجل تناول اللوحة وكتب على وجهها الآخر عبارة جديدة.
بعد قليل أحس الأعمى أن شيئاً تغير. صار الناس يتوقفون وامتلأت قبعته بالنقود … سأل عن المكتوب على اللوحة فقرأوا له:
(إننا في فصل الربيع الجميل … لكنني لا أستطيع رؤيته).
الرجل الذي كتب العبارة كان خبيراً في التسويق فأعاد عرض الرسالة نفسها لكن بصورة مختلفة.
ذلك هو جوهر التقديم الجيد أو الـ Presentation
وهي طريقة تقديم الأفكار والمشاريع والمنتجات وحتى أنفسنا بشكل يزيد من قيمتها… فيمكن لفكرة متوسطة أن تٌقنع لأن صاحبها أحسن عرضها بينما تتراجع فكرة ممتازة لأن صاحبها لم يحسن التقديم.
وهذا الأمر نعيشه في تفاصيل حياتنا كلها …
وللسودانيين في ذلك حكاية قريبة لحد كبير من هذا الموضوع تُنسب إلى الشيخ فرح ود تكتوك: يقال إن الشيخ فرح دُعي إلى مأدبة فذهب بثياب متواضعة، فلم يحفل به القوم. ثم عاد إلى بيته … ارتدى ثياباً فاخرة وعاد مرة أخرى … فتغير الاستقبال وأجلسوه مع كبار القوم وخاصتهم … وعندما وضع الطعام أمامه مد كُمّه إلى الإناء وقال قولته المشهورة:
كُل يا كُمّي قبّال فمّي.
لم يتغير الشيخ فرح بين الزيارتين … وإنما تغيّرت الصورة التي قدّم بها نفسه … فتغيّرت معها نظرة القوم إليه.
وعلى ما في هذه المقاربات من تجاوز أخلاقي يعلي الشكل على حساب المضمون خاصة أننا في مجتمعاتنا ننحاز أخلاقياً إلى المضمون فنقول إن الجوهر هو المهم … وإن الإنسان يُقاس بعمله وأخلاقه لا بمظهره. وهذا صحيح من حيث القيمة … لكنه لا يصف دائماً الكيفية التي يتعامل بها الناس مع بعضهم في واقعنا الراهن الذي نتعامل فيه مع معطيات مختلفة …
ولهذا لا يعود الشكل مجرد اطار خارجي … بل يصبح واحداً من الإشارات التي يبدأ منها التواصل مع الآخرين.
***
يشكو بعض الشباب الذين غادروا السودان للعمل من صعوبة منافسة أقرانهم من جنسيات أخرى رغم ما يملكونه من علم وخبرة.
قلت لبعض أبنائي الشباب: ربما يعود الأمر إلى البرزنتيشن!
شاب يحمل مؤهلات جيدة يدخل مقابلة عمل لكنه لا يحسن تقديم نفسه … ثم يخرج مستغرباً حين تذهب الوظيفة إلى شخص أقل منه خبرة ومعرفة …
نحن نقع تحت تأثير هالة البرزنتيشن وهو تواصل يختزل عدداً من العناصر مثل مهارة التحدث …الإنصات … تنظيم الأفكار … الاتصال غير اللفظي … ولغة الجسد … والنظر … ونبرة الصوت. وعندما يتم تفضيل أحد على آخر فذلك لأنه استطاع تقديم نفسه أفضل… لأنه فهم كيف يتعامل مع هذه الأدوات التواصلية إذ أن 80% من عوامل النجاح المهني تعتمد على مهارات التواصل و 20% فقط للمهارات العلمية والمهنية (وهذه بيانات علمية مثبتة) . هذا يعني لا أحد يهتم بمعرفتك بنفس قدر اهتمامه بمهارتك في التواصل من خلال المظهر وطريقة الحديث وحسن تقديمك لنفسك …
والتقديم الجيد أو البرزينتيشن لا يقتصر فقط على المظهر الجيد … بل إن لغة الجسد نفسها تعتبر طريقة من طرق البرزنتيشن … وفي أدبيات الاتصال فأن توزيع العناصر من حيث أهميتها في التأثير هي: 7% للكلام المنطوق و38% لنبرة الصوت و55% للغة الجسد .
***
ومن هنا أصبحت مهارات التقديم والتواصل جزءاً من الكفاءة المهنية نفسها وليست مجرد إضافة تجميلية إليها. وربما كان على شبابنا وهم يدخلون أسواق عمل شديدة التنافس أن يتعلموا كيف يتحدثون عن أنفسهم بشكل ممتاز … وكيف يعرضون خبراتهم وتوظيف أصواتهم ولغة أجسادهم ومظهرهم وحضورهم . وفي نهاية المطاف ليس المطلوب أن نصنع لأنفسنا صورة أكبر من حقيقتنا … لكن في الوقت نفسه ألا نظهر بأقل مما نحن عليه.













