يتحدث عن أزمة النقد والحداثة والموروث ويروي حكاية جنيف








تجربته عبرت الخرطوم والرياض إلى أوروبا
الشجرة تقودني إلى الإبداع وتثري مخيلتي
غياب النقد المتخصص يرهق الساحة التشكيلية
الموروث عندي يُعاد تشكيله برؤية حداثية
حوار – الفاضل هواري ـ آكشن سبورت
يحمل الفنان التشكيلي والمصمم الجرافيكي لؤي محمد خير تجربة فنية تجاوزت حدود المكان، مستندة إلى دراسة أكاديمية ورصيد من المشاركات في ملتقيات ومعارض داخل السودان وخارجه. تخرج في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، قسم التصميم الجرافيكي، وحصل على دبلوم في فنون التصميم الحاسوبي من معهد المتحدة العالمية، إلى جانب دبلوم في فنون تصميم اللوحة ومعالجة مساحة العمل الفني من معهد بونيه في جنيف بسويسرا. وشارك في ملتقيات عالمية للألوان المائية والأكريليك، كما تنقل بتجربته بين عدد من العواصم الأوروبية. وفي حواره مع «آكشن سبورت»، يفتح لؤي ملفات واقع الفن التشكيلي السوداني، ويتحدث عن ضعف فرص الخريجين وغياب النقد المتخصص، وعلاقة الجمهور بالفن، وتجربته مع الحداثة والموروث، وحضور المرأة في أعماله، كاشفاً قصة رسالة عابرة قادته بصورة غير متوقعة إلى جنيف وفتحت أمامه أبواب التجربة العالمية.
■ في السابق كان خريجو الفنون أكثر ارتباطاً بالإبداع، بينما يبتعد بعض الخريجين الجدد عنه.. لماذا؟
ــ في السابق كانت الدولة تأخذ على عاتقها العملية التعليمية، ليس من باب العمل الخيري، وإنما باعتبارها واجباً المستفيد الأول منه هو الوطن. كانت تبني الجامعات وتقبل الطلاب مجاناً، بل وتصرف لهم الإعانات وتوفر المسكن والمأكل، وبعد التخرج يجد الطالب نفسه داخل هيكل وظيفي توفره الدولة، ليسهم في عملية البناء الوطني.
وبالتالي يسترد الوطن ما أنفقه ويكسب كوادر مؤهلة للبناء. وهذه العملية عبارة عن تروس مرتبطة ببعضها؛ فأي خلل في ترس منها يؤثر في المنظومة بأكملها. أما اليوم، فالفنان يدرس بقدرته الذاتية، ثم يتفاجأ بعد التخرج بعدم وجود هيكل وظيفي يستوعبه، فيلجأ إلى عمل يسد به رمقه، وقد لا يكون الإبداع من بين خياراته.
■ الفن التشكيلي تجربة عاطفية وإلهام.. من أين تأتي أفكار لؤي محمد خير؟
ــ ليست لديّ منابع ثابتة للإلهام، لكنني أجد روحاً خفية تقودني نحو الشجرة. وربما يعود ذلك إلى نشأتي في جنوب كردفان، حيث تتجاوز الشجرة رؤيتها بوصفها مجرد نبات. هذا المنظور أثرى ذخيرتي ومعرفتي الجمالية، وأنا دائماً أعمل وفق مشروع مثقف أنشده حيوياً وناضجاً.
■ أعمالكم حاضرة على جدران السفارة السودانية بالرياض.. لماذا غابت المعارض الجماعية؟
ــ للتشكيليين جسم تنظيمي يتمثل في «بيت التشكيليين السودانيين بالرياض»، وله العديد من الإسهامات والمشاركات والشراكات الخاصة بالسودان. ودرج البيت على إقامة المعارض السنوية والمشاركة على مستويات رفيعة، بالتعاون مع وزارة الثقافة السعودية وأمانة مدينة الرياض.
وشارك البيت في تزيين استاد الملك فهد عند افتتاحه، وفي ملتقيات بالمملكة، منها ملتقى شقراء للفنون التشكيلية، كما زيّن في السابق جدران السفارة باللوحات والمنحوتات، ونفذ معرض «ملتقى الوحدة والسلام» تحت رعاية جهاز شؤون المغتربين بالمتحف القومي في الخرطوم، إلى جانب مشاركات أخرى.
■ هل يعاني الفن التشكيلي السوداني ضعف تفاعل الجمهور معه؟
ــ دعني أختلف معك. فمن خلال تجاربنا في معارض التخرج والمعارض والمشاركات الأخرى، وجدنا المواطن السوداني ليس مجرد حضور، بل شريكاً فاعلاً في العملية التشكيلية.
نعم، نطمح إلى زيادة أعداد المهتمين، وهذا لا يتحقق إلا بدعم الدولة واهتمامها بالفنون باعتبارها ضرورة. ولا بد من تفعيل تدريس مواد الفنون في المدارس، من تشكيل وموسيقى ومسرح، حتى نسمو بقيمنا.
■ لماذا تعاني الساحة التشكيلية السودانية قلة النقاد المتخصصين؟
ــ لقد وضعت المبضع على الجرح. بالفعل تعاني الساحة التشكيلية من قلة الناقد الفني المتخصص، وقد يرجع ذلك إلى شح الأساتذة المتخصصين في تدريس مواد النقد الفني للطلاب، وبالتالي قلة الخريجين في هذا المجال.
وقد يكون النشاط بشكله الحالي غير جاذب للعديد من الدارسين، وهذا لا ينفي وجود قلة من النقاد يعملون جاهدين لسد النقص، لكن غياب النقد المتخصص يؤثر بصورة كبيرة في الحركة التشكيلية.
■ لماذا يغيب التشكيليون السودانيون عن بعض فعاليات السفارات الأجنبية بالرياض؟
ــ التشكيلي السوداني نشط ومثابر، ويشارك في الملتقيات الثقافية التي تضيف إلى مسيرته، وينأى عن الأنشطة التي لا تضيف إليه، بل قد تكون خصماً عليه. نحن حضور زاهٍ حين نُدعى، وغياب ملحوظ حين يتم تجاوزنا.
■ تجربتك تميل إلى الحداثة.. أين موقع التراث فيها؟
ــ نعم، أعمل ضمن مفهوم الحداثة، لكنني أربطها دائماً بالمخزون الثقافي. أعيد صياغة الموروث وتفكيكه بلغة تشكيلية تدعم تجاوز الشكل والولوج إلى ما ورائه، ضمن إطار من التحليل وإعادة الاستيعاب، بوجود حس بصري وفلسفي خاص.
■ كيف تنظر إلى توظيف جسد المرأة تشكيلياً؟
ــ المسألة ليست مع أو ضد، فكل فنان يتناول موضوعه وفق رؤيته الخاصة، وهو الأجدر بخياراته ومصادر إلهامه. المرأة عندي حاضرة وفاعلة، ولا أستثني جسدها، لكنني كثيراً ما أتجاوزه إلى الروح، لإجراء الحوارات والدراما الداخلية للعمل بينها وبين المفردة الجمالية داخل اللوحة.
■ شاركت في معارض غربية عديدة.. كيف بدأت رحلتك العالمية؟
ــ سأحكي لك قصة طريفة. في أول يوم عمل لي بدار النشر في جامعة الخرطوم، لم يكن بالمكتب أحد سواي. تناولت ورقة بيضاء وكتبت عليها: «أنا لؤي محمد خير، فنان تشكيلي، أريد أن تتبنى منظمة الوحدة الأفريقية لي معرضاً بأديس أبابا».
وضعت الرسالة في ظرف وأرسلتها، ثم نسيتها. وطافت الرسالة العالم بحثاً عن منظمة الوحدة الأفريقية، حتى انتهى بها المطاف في سويسرا، لدى منظمة معنية ببراءات الاختراع وحقوق الملكية الفكرية، التي تبنت الرسالة.
وبعد شهرين، جاء إلى دار النشر سائق من السفارة السويسرية يبحث عني. وعندما ذهبت معه قابلت السفير، الذي طلب جواز سفري. وحين علم أنني لا أعرف شيئاً عن الأمر، شرح لي أن المنظمة تبنت دعوتي لإقامة معارض تشكيلية تحت رعايتها في جنيف وغيرها من المدن.
وكان عراب الرحلة وراعيها البروفيسور كامل إدريس، رئيس الوزراء الحالي، وسافرنا ضمن مجموعة «الأرا» التشكيلية. وكانت محطة مهمة في حياتي لا يمكن تجاوزها. كما شاركت في مؤتمر حوار الأديان بإيطاليا، وملتقى ثقافات النيل بجامعة ليل في فرنسا.
■ ما أثر غياب الرحلات الدراسية لطلاب كلية الفنون؟
ــ تعتمد كلية الفنون منهج «رويال كوليدج» البريطاني، وهو من أقوى برامج التحصيل في الفنون، وتُعد الرحلات جزءاً لا يتجزأ منه. يتعلم الطالب خلالها كيفية التعامل مع الألوان المائية والبيئات المختلفة.
وكان الطالب، حتى تخرجه، يزور مناطق عديدة في السودان. ويمكن تخيل تأثير غياب مثل هذا البرنامج؛ فمن المؤكد أن لذلك انعكاساً سلبياً على التحصيل المعرفي، وبالتالي على المردود الفني.
■ هل تقوم قيمة اللوحة على المهارة والانبهار؟
ــ الفنان مكلف بالبحث عن القيمة وعرضها، وليس وفق المنظور التقليدي الجامد. والقيمة هي ما تمنح اللوحات قدرها الإنساني، والبحث يحتاج إلى عين بصيرة، ويد خبيرة، وعقل واعٍ.
اللوحة لا تُبنى بمنطق الانبهار، وإنما بمنطق التناول الواعي وامتلاك أدوات الممارسة.
■ أين لؤي من فرص العرض والعمل بأوروبا؟
ــ تلقيت الكثير من العروض لإقامة معارض، وسبق أن أقمت العديد منها هناك. وشاهدت اهتماماً كبيراً من أوروبيين وسياح من فرنسا وسويسرا وهولندا، وتلقيت عروضاً مغرية، لكنني فضلت القدوم إلى المملكة العربية السعودية لوجود فرصة عمل ربما لم تكن لتتكرر.













