الرياض تحتفي بصاحب الصوت الدافئ والإحساس المرهف



روائع الزمن الجميل تعود من جديد
أغنيات لا تزال تنبض في الوجدان
الإحساس الجميل لا يغيب بالرحيل
ألحان خالدة في ذاكرة السودانيين
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
تتجه أنظار الجالية السودانية في العاصمة السعودية الرياض، غدًا الجمعة (31 يوليو 2026)، إلى أمسية «لمسة وفاء» التي تُقام تحت شعار «حب الناس»، إحياءً لذكرى الفنان الراحل عبد المنعم الخالدي، بمشاركة نخبة من نجوم الأغنية السودانية الذين سيعيدون إلى الأذهان روائع صاحب الصوت الدافئ والإحساس المرهف.
وهذه الليلة ليست مجرد حفل غنائي، وإنما رسالة وفاء لفنان عاش بسيطًا، وغنى بصدق، ورحل باكرًا، لكنه ترك إرثًا فنيًا ما زال يسكن ذاكرة السودانيين، مؤكداً أن العمر الفني لا يُقاس بعدد السنوات، وإنما بما يتركه الفنان في وجدان الناس.
صوت خالد
ـ في تاريخ الأغنية السودانية أصوات كثيرة مرت، لكن قليلًا منها استطاع أن يترك ذلك الأثر العميق الذي يجعل المستمع يتعرف على صاحبه من أول جملة موسيقية، ومن بين تلك الأصوات يأتي الفنان الراحل عبد المنعم الخالدي، الذي امتلك حنجرة مميزة وإحساسًا عاليًا جعلاه واحدًا من أجمل الأصوات التي ظهرت في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
لم يكن الخالدي من الفنانين الباحثين عن الأضواء، بل كان مؤمنًا بأن الأغنية الجيدة هي التي تتحدث نيابة عن صاحبها، لذلك اختار الجودة على الكثرة، فترك أعمالًا قليلة مقارنة بغيره، لكنها بقيت راسخة في الوجدان.
البدايات الأولى
ـ وُلد عبد المنعم عباس الخالدي عام 1957 بقرية شلعوها الخوالدة بولاية الجزيرة، حيث نشأ وسط بيئة ريفية غنية بالتراث والغناء الشعبي، وتلقى تعليمه بالمنطقة قبل أن يلتحق بشرطة الحياة البرية، ثم انتقل إلى الخرطوم بحكم العمل واستقر بمنطقة القوز، وهناك بدأت ملامح مشروعه الفني تتشكل.
في بداياته كان مولعًا بالفنان عثمان الشفيع، فكان يردد أغنيتي (كيف أنساك) و**(ما هويتك)**، حتى لفت الأنظار بصوته القريب من المدرسة الطربية الأصيلة، قبل أن يصنع شخصيته الفنية المستقلة.
الميلاد الفني
ـ كانت انطلاقته الأولى من خلال فرقة أبناء الحي، ثم مارس نشاطه الفني في نادي أبناء حلفا (بوهين)، وبعدها انضم، في أواخر السبعينيات، إلى فرقة الخرطوم جنوب للغناء والموسيقى والمسرح، وهناك نضجت تجربته وبدأ اسمه يبرز بين الأصوات الجديدة آنذاك، كما درس في معهد الموسيقى والمسرح ضمن الدراسات الإضافية، مما أسهم في صقل موهبته.
مدرسة الإحساس
ـ كان عبد المنعم الخالدي يمتلك صوتًا هادئًا دافئًا، بعيدًا عن التكلف، يعتمد على الإحساس أكثر من الاستعراض، لذلك أحبته شريحة واسعة من عشاق الأغنية السودانية الهادئة.
كان يغني الكلمة قبل اللحن، ويمنح كل بيت شعري حقه من التعبير، لذلك كانت أغنياته تصل إلى القلب مباشرة.
أعمال خالدة
ـ من أشهر الأعمال التي ارتبطت باسمه «سلمى»، من أعذب ما لحنه رفيق دربه سليمان أبو داؤود، وسماها باسم ابنته.
كما قدم: «يباركوا ليك ويباركوا لي»، وهي أولى أغنياته التي أذيعت عبر الإذاعة السودانية، و**«جيت مهاجر»، و«تعلمنا من ريدها»، و«يا صاحي»، و«سعد الدنيا كلو»، و«معنى الريدة»، و«يا قاسية»، و«كيف أنساك»، و«ما هويتك»**.
وكان يتميز بأداء رومانسي هادئ جعل هذه الأغنيات حاضرة في المناسبات الاجتماعية والأفراح لسنوات طويلة.
اختيارات راقية
ـ حرص الخالدي على اختيار النصوص بعناية، وتعامل مع عدد من شعراء الأغنية السودانية الذين كتبوا الكلمة الرصينة ذات المعنى العاطفي العميق، فكانت أعماله تقوم على التكامل بين النص واللحن والصوت.
ورغم أن كثيرًا من أعماله ارتبطت باسم الملحن أكثر من الشاعر، إلا أن اختياراته الشعرية كانت من أسباب نجاح تجربته.
ثنائية مميزة
ـ إذا ذُكر عبد المنعم الخالدي، فلا بد أن يُذكر معه الموسيقار والملحن سليمان أبو داؤود، فقد شكّل الاثنان واحدة من أنجح الثنائيات في تاريخ الأغنية السودانية الحديثة، حيث لحن سليمان أبو داؤود للخالدي نحو خمسة عشر عملًا غنائيًا، تميزت جميعها بالبساطة والعذوبة، وكانت الألحان مصممة خصيصًا لتناسب طبيعة صوت الخالدي وإحساسه المرهف.
لم تكن العلاقة بينهما علاقة ملحن ومطرب فقط، بل كانت علاقة فنية وإنسانية قائمة على الثقة والتفاهم، لذلك جاءت الأعمال متجانسة، وكأن اللحن وُلد مع الصوت في لحظة واحدة.
وقد كان سليمان أبو داؤود يرى في الخالدي الصوت الأمثل لتجسيد ألحانه الهادئة، بينما وجد الخالدي في ألحان أبو داؤود المساحة التي يطلق فيها كل طاقته التعبيرية.
حضور إعلامي
ـ سجل الخالدي أعماله بالإذاعة السودانية، وكانت أولى أغنياته المسجلة (يباركوا ليك ويباركوا لي)، كما ظهر في عدد من البرامج بالتلفزيون القومي وقناة النيل الأزرق، وكان يفضل تسجيل أعماله في مواسم الأعياد، فأصبحت إطلالاته مرتبطة بالفرح عند الجمهور.
الرحيل المبكر
ـ في التاسع عشر من نوفمبر عام 2008، رحل عبد المنعم الخالدي بعد رحلة فنية قصيرة في عمرها، كبيرة في أثرها، تاركًا خلفه أعمالًا لا تزال تُبث عبر الإذاعة والقنوات السودانية، ويعيدها الفنانون في الحفلات تكريمًا لذكراه.
إرث باقٍ
ـ عبد المنعم الخالدي لم يكن من الفنانين الذين ملأوا الساحة ضجيجًا، لكنه ملأ القلوب جمالًا. عاش متواضعًا، وغنى بإحساس، ورحل بصمت، لكن صوته ظل حاضرًا كلما بحث الناس عن الأغنية الصادقة التي لا تشيخ.
وأمسية (لمسة وفاء) بالرياض تؤكد أن الفنان الحقيقي لا يموت برحيله، بل يعيش في ذاكرة جمهوره، وفي كل لحن جميل، وكل كلمة صادقة، وكل قلب لا يزال يردد أغنياته بمحبة وحنين.
ربما لا تكفي ليلة وفاء واحدة لترد شيئًا من جميل الفنان الراحل عبد المنعم الخالدي، فهو لم يكن مجرد مطرب مر على الساحة، بل كان مدرسة في الذوق الرفيع، ظل وفيًا للفن الجميل، وللكلمة المنتقاة، وللحن الأصيل الذي يحترم عقل المستمع ووجدانه، ولم يساوم على جودة ما يقدمه، فاختار أن يترك إرثًا من الأغنيات التي تعيش أطول من أصحابها.
لذلك فإن الوفاء الحقيقي لعبد المنعم الخالدي لا يكون في أمسية عابرة فحسب، وإنما في حفظ أعماله، وتوثيق سيرته، وإعادة تقديم إنتاجه للأجيال الجديدة، حتى يبقى صوته حاضرًا، كما كان دائمًا، جميلًا، صادقًا، وخالدًا في ذاكرة الأغنية السودانية.











