رندا يوسف مختار
أثار ظهور الفنان مأمون سوار الذهب في مهرجان الإذاعة والتلفزيون العربي جدلاً واسعاً، وذهب بعض المنتقدين إلى الحكم على مشاركته بالفشل، لا بسبب ضعف واضح في الأداء، وإنما لأنه اختار أن يغني باللهجة السودانية ويقدم لوناً ينتمي إلى وجداننا المحلي.
وهنا يحق لنا أن نسأل: لماذا أصبح الغناء باللهجة السودانية عيباً في مهرجان عربي؟ ولماذا يُنظر إلى تقديم فننا كما هو باعتباره خروجاً عن المألوف أو اختياراً غير موفق؟
قبل أن نختلف حول الأغنية أو الأداء أو التوزيع، علينا أن نعترف بأن مأمون امتلك شجاعة لا تتوافر دائماً لدى كثير من الفنانين. كان يستطيع اختيار أغنية عربية مألوفة أو نص يسهل فهمه ويضمن تفاعل الجمهور، لكنه اختار أن يقدم جزءاً أصيلاً من الموسيقى السودانية بلغتها وإيقاعها ومفرداتها.
فهل كان المطلوب منه أن يتخلى عن هويته حتى يرضي ذائقة اعتادت أنماطاً أخرى؟
اللهجة السودانية ليست عائقاً أمام الفن، بل جزء من هويته. والشعوب تقدم فنونها بلغاتها ولهجاتها المحلية دون أن تشعر بأنها مطالبة بالاعتذار عنها. فاللغة في الموسيقى ليست مفردات فقط، وإنما إحساس وإيقاع وأداء وحضور. وكم من أغنية عالمية أحببناها دون أن نفهم كلماتها كاملة، لأن اللحن والأداء وصلا إلى القلب.
ومن هنا، فإن الحكم على مأمون بالفشل لمجرد غنائه باللهجة السودانية يبدو متعجلاً وغير منصف. فقد تفاعلت الأوركسترا معه، وظهر الانسجام بين العازفين والإيقاع، وبذل الكورس جهداً واضحاً في نطق الكلمات السودانية وأدائها، كما تفاعل الجمهور مع حماس العرض وطاقته.
وفي أغنية «مامون بريد تومي»، لم يقدم الفنان عملاً غنائياً عابراً، بل حمل معه جزءاً من الذاكرة السودانية، من أجواء السيرة والحماس والإيقاعات التي نشأت في بيئتنا واستقرت في وجداننا الشعبي. وهذه الألوان لا ينبغي أن تقاس دائماً بمعايير الأغنية العربية السائدة، لأنها تنتمي إلى سياق ثقافي وفني مختلف.
مشكلتنا أننا أحياناً ننظر إلى فننا بعين الآخر، فنخفف لهجتنا ونغير إيقاعاتنا ونختار مفردات أقرب إلى المألوف، وكأن الوصول إلى الآخرين يتطلب التنازل عن خصوصيتنا. بينما تثبت التجارب أن الفنان قد ينجح تحديداً لأنه يقدم ما يميزه.
وقد جعلت الظروف التي عاشها السودانيون بعد الحرب لهجتنا أكثر حضوراً في مجتمعات عربية عديدة، بعدما وسعت الجيرة والعمل والدراسة دائرة التعارف والاحتكاك اليومي. ولذلك تأتي مشاركة مأمون في لحظة يمكن أن تصبح فيها الأغنية السودانية جزءاً من حضور ثقافي أوسع.
قد يختلف الناس حول اختيار الأغنية، وقد يرى البعض أن الأداء كان يحتاج إلى إعداد أكبر أو توزيع مختلف، وهذا حق مشروع. لكن النقد الفني ينبغي أن يتناول الأداء والتوزيع والحضور المسرحي، لا أن يجعل اللهجة نفسها سبباً للحكم على التجربة بالفشل.
لقد اختار مأمون أن يقدم نفسه سودانياً في مهرجان عربي، لا أن يذوب في القالب السائد. والسؤال ليس: هل فهم الجميع كل كلمة؟ بل: هل لفت الانتباه إلى لون سوداني مختلف، وجعل الجمهور يستمع إلى إيقاع ولهجة وثقافة ربما لم تكن مألوفة لديه؟
في تقديري، نعم.
الفن لا يعيش بالتشابه وحده، بل بالتنوع. واللهجة السودانية ليست نقصاً نحتاج إلى إخفائه، وإنما ذاكرة وهوية وإيقاع وحكاية.
ومأمون سوار الذهب، حين غنّى بها أمام جمهور عربي، منح الأغنية السودانية فرصة لأن تُسمع كما هي، لا كما يريد لها الآخرون أن تكون.












