شهادة شخصية من قاعات الدراسة إلى المسرح يكتبها د. حمزة عوض الله لـ «آكشن سبورت»
ليلى المغربي قدمته للإذاعة ومحمد ميرغني اعتبره الأول
التعليم بالرؤية.. كيف حوّل مصطفى الشارع إلى معمل
رأى ما لم يره الآخرون.. قراءة مبكرة لمستقبلٍ فهمناه متأخرين
ليس من السهل أن يُكتب عن مصطفى سيد أحمد بوصفه فنانًا فقط، فالرجل كان حالة إنسانية وفكرية مركّبة، تجاوزت حدود الغناء إلى الوعي، وإلى قراءة مبكرة وقاسية للمستقبل.
في هذه الشهادة، لا يكتب د. حمزة عوض الله عن نجمٍ مكتمل الأسطورة، بل عن معلّمٍ شاب دخل الفصل متدرّبًا، وعن إنسانٍ كان يرى أبعد مما نراه، ويتصرّف بهدوء من يعرف أن الطريق طويل وأن الزمن لا يجامل.
هي كتابة من الداخل، من ذاكرة الصف، ودهشة الاكتشاف الأولى، ومن مسافات لاحقة جمعت بين القاهرة والدوحة والمطار الأخير.
نصٌّ لا يستعيد مصطفى سيد أحمد بوصفه صوتًا فقط، بل بوصفه رؤية واقعية للمستقبل، دفعت ثمنها مبكرًا، ولم تُفهم إلا بعد الرحيل.
المعلّم المتدرّب
دخل علينا متدرّبًا من معهد المعلّمين الأوسط / غرب شارع الثورة بالنُّص في بدايته الجنوبية، مُطِلًّا على مدرستي بكّار بنين والفجر بنات المتوسّطتين. كان ذلك في العام الدراسي 1974 / 1975م.
كنّا في السنة الثانية، نجلس نصفين متساويين، فوقف أمامنا قائلًا:
مصطفى سيد أحمد المقبول، قرية ود السلفاب جنوب الحصاحيصا، سأعطيكم فنون وعلوم.
خرج بنا إلى شارع الثورة بالنُّص، وقال:
عاينوا الأعمدة… لمن تبعد بتشوفها أصغر، ودا اسمو البعد الثالث.
كانت تلك أول مرة نخرج فيها مع أستاذ لإثبات أو تثبيت (Demonstration) أكاديمي خارج أسوار بكّار الحبيبة، بعد أن كانت تتم حصص الفلاحة والرياضة داخل الأسوار.
الانضباط الصارم
في إحدى الحصص حدث شغب همهمي (همهم هممًا)، فقال:
هنا في فِيران؟
وكان يتنقّل بين السبورة والتحوّل يرمقنا باحثًا عن المصدر حتى حدّده.
طلب من المُهمهم الخروج أمام الدفعة، فتحوّل ذلك الوديع إلى كاسر بكفٍّ صارم، فانضبط الجميع حتى نهاية فترته التدريبية.
اللقاء الأخير
في القاهرة، التقيته في حفل له بمسرح البالون بالعجوزة، المُطِلّ على النيل، وكان ذلك بعد زراعة حوض الكُلى (Kidney pelvis transplantation).
قلت له:
إنت كاشف العصر.
فردّ مبتسمًا:
لقب كبير علي.
كان ذلك آخر لقاء.
طيبة القلب
في الدوحة، أكّد لي مدني النخلي (يا ربي متذكّر؟) أن سفارة السودان تكفّلت بسداد متأخّرات شقّته، التي كانت تعجّ بمتحزّبين لا يقدّمون له سوى السهر والأُنس.
احتججتُ على ذلك لدى مصطفى، لكنه كان طيّب القلب.
من المدرسة إلى الإذاعة
كان يدندن بالعود في فسحة الفطور.
ظننّاه مجتهدًا فقط، حتى تفاجأنا بأول استضافة إذاعية له عبر نفحات الصباح مع ليلى المغربي – وما أدراك ما ليلى – التي قدّمته واثقة من مستقبله.
شارك بعد ذلك في مهرجان الثقافة الأول، وجاء رابعًا بعد الأطرش، والخالدي، وعز الدين عبد الماجد.
كان يرتدي قميص (تحرّمني منك)، وسُمّي كذلك لأنه شارك بأغنية بذات العنوان.
أخذت عليه اللجنة عدم تفعيل حركة الجسد.
شهادة مبكرة
بعد المهرجان، صرّح الفنان محمد ميرغني – عضو لجنة التحكيم – لإحدى صفحات جريدة الأيام (وكانتا فقط الصحافة والأيام، رحم الله سامي سالم):
نعم مصطفى الرابع، لكنه سيكون الأفضل.
قراءة واقعية للمستقبل
مصطفى كانت له قراءة واقعية للمستقبل، لذلك لم يكن متفائلًا.
قال ذات مرة لصديقنا المشترك أحمد نصر:
يا أحمد، سيأتي يوم يصبح طعم الدنيا زي نشارة الخشب.
ذهب أحمد إلى نجّار في الحي، مضغ النشارة وبصقها، ثم قصّ عليه ما فعل.
ضحك مصطفى وقال:
إنت يا أحمد جنيت؟
الفن والسياسة
بينما كان المجتمع وأحزاب اليمين يتعاملون بمسافة مع الفن الغنائي الحديث، كان الحزب الشيوعي يستقطب المغنين والأصدقاء، وهم الأغلب.
ظهوره في العيد الأربعيني للحزب ضمن الكورال جعل كثيرين يجزمون بانتمائه، وهو ما نفاه لي مقرّبون.
كان مصطفى رافضًا لـ«القعدات» وتبديد الوقت، في زمنٍ كانت شرطًا للانتشار.
أُخذ عليه ذلك حتى من شعراء كبار، وضنّ البعض عليه بالكلمات، لكنه أصرّ على نهجه.
الرحيل الصامت
هل منكم من يملك صورة لنعشه في المطار؟
أو عند خروجه؟
أو ساعة كلية الموسيقى والدراما – وهو خريج المعهد العالي للموسيقى والمسرح وأحد نجومه، خاصة في الكورال – حيث صُلّي عليه بسرعة وحديث مقتضب لسبدرات، وزير الثقافة والإعلام حينها؟
لماذا؟
أولًا: كانت الهواتف المحمولة محدودة وضخمة.
ثانيًا: نما إلى جهاز الأمن احتمال تحويل التشييع إلى مظاهرة سياسية.
حُبس المصوّرون في صالة علوية، وحين حطّت الطائرة، أُغلق الباب عليهم، وفُتح بعد مغادرة الموكب إلى ود سلفاب.
أثر العبقري لا يضيع
كان بعض أصدقائي يقولون:
ما بنحبّو، لأنه غنّى للفقر والدنيا بخير.
لم يفهموا قراءته الواقعية للمستقبل، وهي ملكة نادرة.
قال لي محمود نور الدائم في لندن ذات نقاش:
نحن السودانيين بنحب الزول بعد موته، أو كِبره، أو مرضه… في التلاتة بكون خرج من دائرة المنافسة.
يظهر أثر العبقري ولو بعد حين.












