من الهاشماب إلى منتخب العرب.. مسيرة حافلة بالمهارة والوفاء
رفض إغراءات التجنيس.. والإصابة أوقفت الرحلة مبكراً
النصر السعودي محطة مضيئة في مسيرة سودانية
اختار العودة للأزرق وترك إغراءات الاحتراف
هدف في المريخ كتب أغلى لحظاته
المنتخب العربي جمعه بالخطيب وبلومي والنعيمة
إصابة قاسية غيرت مسار رحلة حافلة
من المستطيل الأخضر إلى التدريب والتحليل الفني
عماد أحمد ـ آكشن سبورت
صنع مصطفى أحمد محمد النقر مسيرة كروية استثنائية، تنقل خلالها من ملاعب الأحياء في أم درمان إلى الهلال والمنتخب الوطني، قبل أن يخوض تجربة احترافية ناجحة مع النصر السعودي، ويظهر ضمن كوكبة نجوم المنتخب العربي الموحد. وارتبط اسمه في ذاكرة جماهير الهلال بالمهارة والذكاء والقدرة على صناعة الفارق في أصعب اللحظات، حتى تحول إلى أحد أبرز رموز الفريق في جيله. ولم تكن علاقته بالقميص الأزرق مجرد محطة في مسيرته، بل قصة عشق دفعته إلى ترك امتيازات الاحتراف والعودة إلى السودان، ليواصل كتابة فصول جديدة من التألق والبطولات. وبين أهدافه الحاسمة، وشارة القيادة، وحضوره الدولي، والإصابة التي أثرت في مسيرته، بقي مصطفى واحداً من الأسماء التي تركت أثراً لا يُمحى في تاريخ الكرة السودانية.
جذور رياضية
وُلد مصطفى أحمد محمد النقر في 14 أكتوبر 1954 بحي الهاشمابفي أم درمان، وتلقى دراسته الأولية بمدرسة العرضة، والوسطى بود نوباوي، ثم الثانوية بمدرسة المؤتمر. و«النقر» هو اسم جده، وليس لقباً أطلق عليه.
وينتمي إلى أسرة رياضية عريقة؛ فوالده لعب ضمن فريق كلية غردونالتذكارية، وعمل سكرتيراً لنادي الموردة في الستينيات. كما لعب شقيقه الراحل محمد للموردة لفترة قصيرة قبل سفره إلى ألمانيا للدراسة، فيما لعب الفاتح للهلال، وصلاح لفرق الهاشماب والعباسية وكان حارس مرمى مميزاً، كما لعب خاله عز الدين الشيخ للهاشمابوالموردة.
بداية المشوار
بدأ مصطفى علاقته بالكرة عبر «الدافوري» مع رفاقه في بانت شرق، ولعب لفريق الهدف ضمن رابطة السيد مكي، ثم الأمل بحي بانت. وفي عام 1971 تم تسجيله لفريق الهاشماب، أحد أندية الدرجة الثالثة آنذاك، وكان في السادسة عشرة وطالباً بمدرسة ود نوباوي المتوسطة.
وصقلت منافسات دوري أم درمان موهبته، وكان لمدربه أبوبكر حاج الأمين دور كبير في تطوير مستواه وتوظيفه في خانة المهاجم. وبعد التحاقه بمدرسة المؤتمر الثانوية شارك في الدورة المدرسية الأولى، فلفت الأنظار وبدأ اسمه يظهر في الصحافة الرياضية والإذاعة.
رغبة زرقاء
كان الموردة أول الأندية التي أبدت رغبتها في تسجيله عن طريق مختار التوم، ثم تحرك المريخ عبر مدربه منصور رمضان، إلا أن ميوله الهلالية ورغبته في ارتداء القميص الأزرق جعلتاه ينتظر عرض الهلال ويعتذر للناديين.
وفي نوفمبر 1974 وصل وفد الهلال برئاسة أحمد عبدالرحمن الشيخ، رئيس النادي وقتها، وبرفقته الإداريان محمد أحمد ملاح وعبداللهالسماني، وأكملوا إجراءات تسجيله.
وجد مصطفى فريقاً متخماً بالنجوم، بينهم علي قاقرين وعز الدحيشوقاسم أحمد عثمان وشواطين وعوض الحاج وأبو العز. وكانت مشاركته الأولى في مباراة ودية أمام أحد أندية جبل أولياء، حيث دخل في الشوط الثاني وسجل هدف التعادل، ثم أتيحت له فرصة المشاركة أمام العامل البحراوي في الدوري، فسجل هدفي الفوز للهلال، لتكون البداية مؤشراً لميلاد نجم كبير.
قميص السودان
في عام 1975 اختاره الخبير التشيكي يانكو للمنتخب السوداني بعد ظهوره المميز مع الهلال. وشارك في أول مباراة دولية بديلاً أمام كينيا، وانتهت بفوز السودان بهدف أحرزه علي قاقرين، ثم شارك أساسياً أمام تونس في مباراة انتهت بخسارة السودان 2-3.
وفي 28 أبريل 1976 صدر قرار حل الأندية وتسريح اللاعبين وتكوين الاتحاد العام للرياضة الجماهيرية، لتتوقف الأندية 257 يوماً، قبل أن يعود النشاط في 10 يناير 1977. وشارك مصطفى بعدها في مباريات كأس العودة التي توج الهلال بلقبها عقب الفوز على المريخ 2-1 بهدفي التاج محجوب.
محطة الاحتراف
سافر مصطفى إلى القاهرة لإكمال دراسته الجامعية، وتم تسجيله في الأهلي المصري وشارك في بعض المباريات. وهناك التقى الأمير عبدالرحمن بن سعود، رئيس نادي النصر السعودي، الذي عرض عليه الانضمام إلى النصر محترفاً مع توفير فرصة الدراسة في جامعة الملك سعود بالرياض.
وكان علي قاقرين قد سبقه إلى النصر، لكنه لم يستمر بسبب ظروف تعيينه في وزارة الخارجية السودانية.
وقدم مصطفى خلال عامين مستويات مميزة مع النصر، وأسهم في تحقيق عدد من البطولات المحلية، كما ترك صورة طيبة عن اللاعب السوداني بأدائه وسلوكه. وظلت تجربته واحدة من الذكريات التي عززت ارتباط عدد كبير من السودانيين بالنادي السعودي.
نداء الهلال
كانت إدارة الهلال برئاسة الطيب عبدالله تبحث عن قائد بمواصفات خاصة، خاصة مع تقدم علي قاقرين وعز الدين الدحيش في العمر، فأوفدت عضو مجلس الإدارة محمد حمزة الكوارتي إلى الرياض لاستعادة مصطفى.
وفي ذلك الوقت كانت إدارة النصر تعمل على إجراءات تجنيسه، أسوة بالسوداني معتمد خوجلي لاعب الأهلي السعودي، لكن الأمير عبدالرحمن بن سعود ترك له حرية الاختيار بين الاستمرار أو العودة إلى السودان.
واختار مصطفى الهلال، مضحياً بالمميزات المادية التي كان يحصل عليها مع النصر من أجل العودة إلى النادي الذي عشقه.
عودة مثيرة
تزامنت عودته إلى الخرطوم مع إقامة مباراة ودية بين الهلال والإسماعيلي المصري. وما إن وصل مطار الخرطوم حتى توجه مباشرة إلى استاد الهلال وشارك في المباراة التي انتهت بفوز الأزرق 3-1، وسجل هدفين، فيما أحرز محمود القضارف الهدف الثالث.
وكانت تلك المباراة بداية مرحلة جديدة من التألق، ومنها انطلقت العبارة الشهيرة التي ظلت ترددها جماهير الهلال احتفاءً بعودته”النقر جا .. النقر جا”.
قائد الفريق
تحول مصطفى إلى أحد أهم مفاتيح اللعب في الهلال، مستفيداً من خبرته الاحترافية وإمكاناته الفنية العالية واهتمامه بلياقته البدنية، وأسهم في إحراز عدد من البطولات المحلية، قبل أن يتقلد شارة القيادة خلفاً للراحل قاسم أحمد عثمان.
وكان حضوره مؤثراً في مباريات القمة، ونجح في تسجيل أربعة أهداف في مرمى الحارس حامد بريمة، بينها أحد أغلى أهداف مسيرته في نهائي دوري السودان، عندما كان المريخ متقدماً 2-1 ويحتاج إلى الفوز، بينما كان التعادل يكفي الهلال للتتويج. وفي الدقيقة الأخيرة سجل مصطفى هدف التعادل الذي منح فريقه البطولة.
إنجاز دولي
استمرت مسيرته مع المنتخب السوداني، وحمل شارة القيادة في عدد من المباريات، وأسهم مع زملائه في إحراز كأس شرق ووسط أفريقيا عام 1980 بالخرطوم، كما سجل أمام منتخبات قوية بينها ساحل العاج ومصر.
وفي عام 1982 اختير ضمن أول منتخب عربي موحد لكرة القدم، في تجمع احتضنته الدوحة، وشارك في مباراة استعراضية أمام مختلطأندية هولندا.
وضم المنتخب العربي نخبة من أبرز النجوم، بينهم محمود الخطيب ولخضر بلومي وصالح النعيمة وعمر الجبالي وعبدالعزيز العنبري وعدنان درجال وعبداللطيف حمامة ومنصور مفتاح وحمود سلطان.
وفاز المنتخب العربي 4-1، وشارك مصطفى في خط الوسط إلى جانب بلومي والخطيب، وقدم مستوى لافتاً دفع مجلة «الصقر» القطرية إلى تخصيص صفحة كاملة عنه بعنوان: «نكهة لاتينية في منتخب العرب».
إصابة مؤثرة
في نهائي بطولة الكأس الأولمبي أمام الأهلي الخرطومي تعرض مصطفى في بداية المباراة لكسر في القدم، ونقل إلى المستشفى، قبل أن يواصل علاجه في مصر ثم لندن.
وبعد شفائه عاد إلى الهلال، لكن الإصابة تركت آثارها على مستواه، فلم يعد اللاعب نفسه الذي عرفته الجماهير قبلها. وأصبحت مشاركاته غالباً في الشوط الثاني أو عندما يمر الفريق بموقف صعب، لكنه ظل بخبرته وحسه التهديفي قادراً على صناعة الفارق بتمريرة حاسمة أو هدف.
محطة أخيرة
عقب نهاية موسم 1985 قررت إدارة الهلال برئاسة الطيب عبداللهالاستغناء عنه ضمن عملية تجديد دماء الفريق، وهو القرار الذي أثار غضب قطاع واسع من الجماهير.
وكان مصطفى يرى أنه لا يزال قادراً على الاستمرار، خصوصاً أن عمره لم يكن قد تجاوز الثلاثين، فانتقل إلى الأهلي الخرطومي ولعب له عدداً من المباريات التي حظيت بإقبال جماهيري كبير، قبل أن تنتهي التجربة سريعاً لاختلاف الأجواء.
عالم التدريب
بعد الاعتزال اتجه مصطفى إلى التدريب، وحصل على شهادات C وB وA، إلى جانب دورات متقدمة في السعودية وقطر.
وعمل ضمن الجهاز الفني للهلال مساعداً للمدرب أحمد عبدالله عام 1987، وهو العام الذي بلغ فيه الفريق نهائي بطولة الأندية الأفريقية، قبل أن يتولى تدريب عدد من الأندية في العاصمة وولايات السودان.
وواصل ارتباطه بكرة القدم من خلال ظهوره محللاً فنياً للمباريات عبر عدد من القنوات الفضائية.
إرث خالد
كان مصطفى لاعباً موهوباً يمتلك مهارات فنية عالية، ويجيد اللعب بالرأس والقدمين وصناعة الأهداف وتسجيلها في آن واحد، مع قدرة واضحة على تسخير إمكاناته الفردية لخدمة المجموعة.
وأمتع جماهير الكرة السودانية بمختلف ميولها خلال مسيرة طويلة، امتدت من ملاعب أم درمان إلى الهلال والمنتخب الوطني والنصر السعودي والمنتخب العربي، ليكتب اسمه في تاريخ الكرة السودانية واحداً من أبرز نجوم جيله.
موفور الصحة والعافية وطول العمر للكابتن مصطفى النقر.
المصادر : مقتطفات من حوار مجلة «الصقر» القطرية، العدد 42، أغسطس 1980؛ وحوار بصحيفة «الانتباهة» السودانية أجرته سحر محمد بشير؛ وبرامج تلفزيونية «الكابيتانو»، و«رموز ضد النسيان»، و«سودان عزة»، إلى جانب إفادات شخصيات عاصرت مسيرته.












محمود الخطيب كابتن مصر ومصطفى النقر كابتن السودان وتبادل الإعلام التذكارية قبل بداية المباراة












