محمد مأمون يوسف بدر ـ آكشن سبورت
في مشهد يتكرر سنوياً، تُعقد المؤتمرات الدولية لدعم السودان في عواصم بعيدة، وتُعلن تعهدات بملايين الدولارات، لكنها غالباً ما تتبدد في دهاليز البيروقراطية أو تتلاشى مع أول أزمة سياسية. وفي المقابل، يواجه السودان واقعاً قاسياً بعد حرب دمّرت بنيته التحتية، وأخرجت مؤسساته الثقافية والخدمية من الخدمة، وحوّلت المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء إلى ركام.
هنا يبرز سؤال جوهري: لماذا لا يُعقد مؤتمر إعادة الإعمار داخل السودان نفسه؟ ولماذا لا تأتي وفود المانحين إلى الخرطوم بدلاً من أن يذهب السودانيون إلى الخارج طلباً للدعم؟
من هذه الفكرة ينطلق مقترح وطني لعقد مؤتمر دولي لإعادة الإعمار والتنمية في الخرطوم خلال يوليو 2026، تحت شعار: «معاً نعيد بناء السودان.. من الخرطوم تنطلق النهضة». ولا يهدف المؤتمر إلى اجتماع تقليدي، بل إلى تغيير جذري في العلاقة مع المانحين، بحيث يصبح السودان شريكاً فاعلاً لا مجرد متلقٍ للمساعدات.
يسعى المؤتمر لوضع خارطة طريق لإعادة بناء ما دمرته الحرب، من طرق وجسور ومؤسسات، إلى جانب صيانة المعالم الثقافية وحفظ الهوية الوطنية. كما يركز على جذب تمويل حقيقي، وتعزيز الحوكمة الرشيدة، وضمان الشفافية في تنفيذ المشروعات، مع دمج النازحين والعائدين في عملية التنمية، وتشجيع الاستثمار في قطاعات الزراعة والصناعة والطاقة والإسكان.
ولضمان الاستفادة من التجارب السابقة، يُقترح تشكيل لجنة حكومية لمتابعة مخرجات مؤتمرات الدعم السابقة، وتحليل أسباب تعثر تنفيذها.
ويرتكز المؤتمر على أربعة محاور رئيسية:
- إعادة البناء والتعافي المبكر، وتشمل إصلاح الخدمات الأساسية.
- التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل، عبر دعم المشاريع الصغيرة وإعادة تشغيل المصانع.
- المصالحة والتماسك الاجتماعي، وربط الإعمار ببناء السلام.
- التمويل والشراكات، من خلال إشراك القطاع الخاص والمؤسسات الدولية.
كما تتولى وزارة الخارجية، بالتنسيق مع الجهات المختصة، تنظيم المؤتمر بمشاركة واسعة تشمل المانحين، والمستثمرين، والمؤسسات المالية، ومنظمات المجتمع المدني، بما يضمن مخرجات عملية قابلة للتنفيذ.
ومن أبرز النتائج المتوقعة إطلاق صندوق وطني لإعمار السودان بمعايير شفافة، وفتح حسابات دعم في السفارات لتسهيل مساهمات المغتربين، إلى جانب توقيع شراكات لتمويل مشاريع عاجلة، وتدريب الكوادر الوطنية لإدارة مشروعات التنمية.
إن عقد المؤتمر في الخرطوم ليس مجرد تغيير للموقع، بل رسالة واضحة بأن السودان قادر على استعادة زمام المبادرة، وأن نهضته تُبنى من داخله، بإرادة أبنائه أولاً، ثم بشراكة حقيقية مع العالم.













