محمد البدري البزعي
لم أكتب كثيرًا عن كأس العالم 2026 المقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لأنني لم أتابع البطولة بالصورة التي تمكنني من تقديم قراءة دقيقة، بسبب ضغط العمل. لكن بعض الوقائع التاريخية التي فرضتها قرعة البطولة والأدوار الإقصائية استوقفتني، خاصة ما يتعلق بتكرار مواجهات بعينها في الأدوار نفسها، وهي ظاهرة تستحق التوقف عندها.
أبرز هذه المفارقات مواجهة فرنسا وباراغواي في دور الـ16، التي أعادت إلى الأذهان لقائهما الشهير في مونديال 1998. يومها كانت فرنسا تضم كوكبة من النجوم، أبرزهم زين الدين زيدان، وديدييه ديشامب، وفابيان بارتيز، وليليان تورام. ورغم غياب زيدان بسبب الإيقاف بعد طرده أمام السعودية في دور المجموعات، نجحت فرنسا في تجاوز باراغواي بهدف ذهبي سجله لوران بلان في الدقيقة 114، قبل أن تواصل طريقها نحو اللقب. واليوم يتكرر المشهد في الدور نفسه، وكأن التاريخ يعيد كتابة أحد فصوله.
مفارقة أخرى تتعلق بمنتخب المغرب، الذي وجد نفسه في مونديال 2026 مع البرازيل وأسكتلندا، تمامًا كما حدث في نسخة 1998، مع اختلاف وحيد تمثل في غياب النرويج وحلول هايتي بدلًا منها. لذلك يمكن وصف المجموعة بأنها “النسخة الناقصة” من مجموعة فرنسا 1998. ورغم أن تكرار المنتخبات في مرحلة المجموعات أمر وارد بحكم القرعة، فإن تشابه تركيبة المجموعة بعد نحو ثلاثة عقود يظل من المصادفات اللافتة.
أما المواجهات الإقصائية، فهي الأكثر إثارة عندما تتكرر في الدور نفسه. ومن أبرز الأمثلة لقاء الأرجنتين وهولندا في ربع نهائي مونديال 1998، المباراة التي اشتهرت بطرد أرييل أورتيغا وانتهت بفوز هولندا بهدفين مقابل هدف. وبعد 24 عامًا، عاد المنتخبان ليلتقيا في ربع نهائي مونديال قطر 2022، وانتهت المباراة بالتعادل (2-2)، قبل أن تحسمها الأرجنتين بركلات الترجيح.
وبالعودة إلى تاريخ مواجهات المنتخبين في كأس العالم، نجد أنهما التقيا ست مرات: في الدور الثاني عام 1974 وفازت هولندا (4-0)، وفي نهائي 1978 وفازت الأرجنتين (3-1)، وفي ربع نهائي 1998 وفازت هولندا (2-1)، ثم تعادلا في دور المجموعات عام 2006، وتعادلا أيضًا في نصف نهائي 2014 قبل أن تتأهل الأرجنتين بركلات الترجيح، وأخيرًا في ربع نهائي 2022. والمفارقة أن الدور الوحيد الذي تكرر بينهما كان ربع النهائي.
وفي النهائيات، تبرز مواجهات أصبحت جزءًا من ذاكرة المونديال، مثل نهائي البرازيل وإيطاليا عامي 1970 و1994، حيث فازت البرازيل في المناسبتين، وكذلك نهائيات ألمانيا والأرجنتين التي تكررت ثلاث مرات أعوام 1986 و1990 و2014، ففازت الأرجنتين بالأولى، بينما حسمت ألمانيا النهائيين التاليين.
والمقصود هنا ليس تكرار المواجهات بين منتخبين في البطولة عمومًا، وإنما تكرارها في الدور نفسه عبر نسخ مختلفة، وهي ظاهرة أقل شيوعًا وأكثر إثارة للاهتمام، لأنها تمنح المباريات بعدًا تاريخيًا إضافيًا، وتفتح باب المقارنات بين الماضي والحاضر.
يبقى كأس العالم بطولة لا تقتصر متعتها على النتائج والأهداف، بل تمتد إلى ما يحمله التاريخ من مصادفات ومفارقات تعود إلى الواجهة بعد سنوات طويلة. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل سنشهد في مونديال 2030 مواجهة تعيد كتابة فصل جديد من هذه القصص؟.













