كمال إدريس
جاء الاعلان عن تأسيس هيئة النزاهة والشفافية في السودان بردا وسلاما على الناس بعد أن طحنها الفساد والمحسوبية، فهذه الخطوة تؤكد جدية حكومة الأمل في مكافحة الفساد وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة.
في الدول التي تبحث عن الاستقرار، لا تبدأ العدالة من قاعات المحاكم، بل من إغلاق منافذ الفساد. فحين تتسرب الموارد العامة إلى جيوب خاصة، لا تُسرق الأموال فقط، بل تُسرق معها فرص التعليم والصحة والعيش الكريم. ولهذا أصبحت مكافحة الفساد معياراً لقياس قوة الأنظمة السيادية وقدرتها على تحقيق العدالة الاجتماعية.
تُظهر الأرقام حجم الفجوة بين الدول. ففي تقرير مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، حصل السودان على 14 نقطة فقط من 100، ما يضعه ضمن الدول الأكثر فساداً عالمياً، وفي مرتبة متأخرة تقارب 175 عالمياً. هذه الأرقام تعكس بيئة مؤسسية ضعيفة، حيث لا تزال آليات الرقابة والمساءلة في طور التشكّل، رغم محاولات إنشاء كيانات مثل هيئة النزاهة والشفافية، التي تُعد خطوة مهمة لكنها ما تزال “وليدة” وتواجه تحديات الاستقلال والتمكين.
في المقابل، نجد أن هيئة الرقابة ومكافحة الفساد في المملكة العربية السعودية تقدم نموذجاً أكثر رسوخاً من خلال أداء فاعل ومباشر، فقد طورت المملكة منظومة متكاملة تشمل استقبال البلاغات عبر قنوات متعددة، وتشجيع المشاركة المجتمعية في كشف الفساد. وفي مجال القياس سجلت السعودية 57 نقطة في مؤشر 2025، متقدمة عربياً وفي مرتبة أفضل عالمياً، وهو ما يعكس تحسن بيئة الحوكمة وتفعيل أدوات الرقابة.
هيئة مكافحة الفساد في السعودية أثبتت فعاليتها، فتقاريرها الأسبوعية واليومية تسمي المذنبين باسمائهم وحجم ما ارتكبوه بدون مواربة على صفحات الصحف وكافة وسائل الاعلام، وهذه التجربة يمنى الكثيرين نقلها إلى السودان.
والفارق بين التجربتين لا يكمن فقط في القوانين، بل في الإرادة واستمرارية المؤسسات. فمكافحة الفساد ليست حملة موسمية، بل منظومة تبدأ من الشفافية في الإنفاق العام، وتمر بحماية المبلّغين، وتنتهي بقضاء مستقل قادر على المحاسبة.
الدرس الأهم هنا أن العدالة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات. وكلما كانت هذه المؤسسات قوية ومستقلة، اقتربت الدولة من تحقيق حياة كريمة لمواطنيها. أما حين يُترك الفساد بلا رادع، فإنه لا يهدم الاقتصاد فقط، بل يقوّض ثقة الناس في الدولة نفسها، وهي أخطر خسارة يمكن أن تواجه أي نظام سيادي.
نأمل أن نرى نتائج ملموسة عبر وسائل الإعلام المختلفة لنجاحات هيئة النزاهة والشفافية في السودان برئاسة الفريق شرطة عابدين الطاهر، ونشر القضايا باسماء مرتكبيها.













