خليك دبلوماسي
محمد مأمون يوسف بدر
يُعد خطاب معالي السفير محيي الدين سالم، وزير الخارجية والتعاون الدولي، أمام الجلسة التشاورية لمجلس السلم والأمن الأفريقي في 12 فبراير 2026، نموذجاً للخطاب الدبلوماسي المتوازن الذي يجمع بين الوضوح في الطرح، والتمسك بالسيادة الوطنية، والانفتاح على الشراكات الإقليمية. ويمكن تحليل الخطاب من خلال المحاور الإيجابية التالية:
أولاً: الحضور الدبلوماسي الفاعل واستعادة المبادرة
جاءت مشاركة السودان في هذه الجلسة الوزارية غير المسبوقة، بحد ذاتها، خطوة إيجابية تعكس حرص الخرطوم على تصحيح العلاقة مع الاتحاد الأفريقي. افتتاح الوزير كلمته بتقديم التقدير للمجلس أرسى أرضية من الاحترام المتبادل، وأظهر رغبة صادقة في تجاوز مرحلة الجمود. هذا الحضور القوي يمثل اختراقاً دبلوماسياً بعد سنوات من التوتر، ويؤكد أن السودان عاد ليطرح رؤيته بنفسه وبصوته المسموع.
ثانياً: الدقة في التفنيد القانوني والسياسي لقرار التعليق
تميز الخطاب بنقد مؤسسي وقانوني رفيع المستوى لقرار تعليق نشاط السودان (القرار 1041). اعتماد الوزير على تعريفات ومفاهيم “ميثاق الديمقراطية والانتخابات والحكم في أفريقيا” أعطى للطرح قوة قانونية لا تقبل الجدل، موضحاً أن ما حدث في أكتوبر 2021 لم يكن انقلاباً على حكومة منتخبة. كما أن الإشارة إلى أن المجلس لم يرسل وفداً لتقصي الحقائق تكشف خللاً إجرائياً، وتبرر الموقف السوداني دون انفعال، مما يضع الاتحاد الأفريقي أمام مسؤوليته التاريخية في مراجعة قراره.
ثالثاً: الكشف عن تعقيدات الأزمة بأدلة وشفافية
الشفافية في طرح تفاصيل الحرب كانت نقطة قوة كبرى في الخطاب. حديث الوزير عن دعم خارجي — وذكر الإمارات تحديداً — بالمرتزقة والأسلحة المتطورة والمسيّرات، ينقل الأزمة من كونها شأناً داخلياً إلى قضية أمن قاري تمس السيادة الأفريقية بأكملها. هذا الطرح يهدف إلى كسب تعاطف أفريقي حقيقي، ويحذر من تداعيات استخدام هذه الأسلحة من قبل الجماعات المتمردة على عموم القارة.
رابعاً: التوازن بين النقد والانفتاح على المستقبل
لم يقتصر الخطاب على الجانب النقدي، بل امتد ليشمل رؤية مستقبلية واضحة. استعراض “خارطة الطريق الشاملة” التي أعلنها الفريق أول البرهان، وتشكيل الحكومة المدنية برئاسة البروفيسور كامل إدريس، يعكس جدية السودان في إدارة مرحلته الانتقالية من الداخل. كما أن التأكيد على عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم، وبدء إعادة الإعمار، يعطي صورة إيجابية عن الاستقرار التدريجي، مما يعزز ثقة المجتمعين في قدرة الدولة السودانية على تجاوز المحنة.
خامساً: الدعوة إلى اتخاذ قرار شجاع وتأكيد الدور الأفريقي
اختتم الوزير خطابه بدعوة صادقة وحكيمة لمجلس السلم والأمن إلى اتخاذ “قرار سياسي شجاع” برفع الإقصاء عن السودان. هذه الدعوة لم تُقدَّم كمطلب جامد، بل كمبادرة مفتوحة تتيح للمجلس تصحيح مساره. كما أن الترحيب بزيارة المجلس المرتقبة إلى الخرطوم يعكس ثقة الحكومة في أوضاعها الداخلية، ورغبتها في تقديم صورة واقعية وإيجابية على الأرض.
يمكن القول إن خطاب الوزير محيي الدين سالم مثل نقطة تحول في العلاقات السودانية الأفريقية. لقد نجح في تحويل موقع الدفاع إلى موقع طرح رؤية، ونجح في كشف القرارات غير المتسقة مع ميثاق الاتحاد، مع الإبقاء على باب الحوار مفتوحاً. حمل الخطاب رؤية وطنية شاملة، وأظهر دبلوماسية سودانية واثقة تسعى إلى استعادة مكانتها القارية، ليس كطالب عودة، بل كشريك أساسي في بناء السلم والأمن في أفريقيا.












