د. كرم الله علي عبد الرحمن
لم يكن ارتباك تنظيم دوري النخبة حدثاً عابراً يمكن تجاوزه باعتباره خطأً إدارياً مؤقتاً، بل جاء ليكشف مجدداً عن أزمة أعمق تعاني منها الرياضة السودانية عموماً. فالأحداث التي تلاحقت خلال الفترة الأخيرة، بدءاً من سوء التخطيط والتنظيم للمنافسات، وانتهاءً برحيل مدرب الهلال في ظروف أثارت كثيراً من التساؤلات، تؤكد أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في اللاعبين أو الأجهزة الفنية بقدر ما تكمن في الإدارة وآليات اتخاذ القرار. وعندما تغيب الرؤية المؤسسية ويتراجع التخطيط السليم، تصبح الأزمات أمراً متوقعاً، وتتكرر الإخفاقات مهما توفرت الإمكانات الفنية أو المالية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة جادة لما يحدث، بعيداً عن المعالجات المؤقتة، والبحث في جذور الأزمة الإدارية التي ظلت تلقي بظلالها على واقع الرياضة السودانية.
هروب ريجيكامب يمثل درساً مفيداً لإدارة الهلال. فالهلال في حاجة إلى خبرات إدارية في مجلسه، وإذا اتجه نحو دعم المجلس بمزيد من رجال المال لا الإداريين، فهو يسبح عكس التيار، وسوف يدفع مالاً أكثر وخسارة أكبر في العام القادم. فالهلال، وكذلك الرياضة بشكل عام، بل والسودان في كافة المجالات، ليس ضعيفاً بسبب الموارد، ولكن بسبب الضعف الإداري.
إن صورة جلسة أعضاء مجلس الإدارة مع ريجيكامب أثناء توقيع ما سمي لاحقاً بمذكرة التفاهم وحدها كافية لإثبات الضعف الإداري. فهو يتوسطهم كأنه رئيس لهم، وهم على جانبي الطاولة. وهذه لها أكثر من معنى، وتعني أنه هو الأصل وهم الفروع. إذ كان الصحيح أن يكون المهندس العليقي هو من يتوسط الجلسة. لكن كما لاحظنا، فإن ريجيكامب كان طيلة الموسم هو الآمر الناهي، واستبد بالإدارة واللاعبين دون أن يقدم، حسب اعتقادي، أي تطور جوهري في نتائج المنافسات. فالهلال خرج من البطولة الأفريقية في نفس مرحلة العام الماضي، وحقق بطولة الدوري الرواندي كما حقق من قبل بطولة الدوري الموريتاني، وحقق بطولة النخبة كما فعل العام الماضي. فما الإضافة التي قدمها ريجيكامب على مستوى النتائج، رغم أن الفريق قد تم تدعيم صفوفه بلاعبين أفضل بكثير من العام الماضي؟
لقد دفع الهلال ثمناً باهظاً بسبب مشاركته الإلزامية والضرورية في مباريات النخبة، وذلك بسبب سوء التخطيط والإعداد لها من قبل الاتحاد العام. فالأخير لم يراعِ أبداً أنه يستضيف أجانب في الملاعب، فأقام المنافسة في أسوأ الظروف من حيث التنظيم والبيئة والطقس.
لا يمكن أن تدعو أجانب، ولا حتى غيرهم لزيارة ملاعب أمثال ملعب كوبر نهاراً تحت أشعة الشمس الحارقة. أكيد أنك تدفعهم نحو الهروب كما فعل ريجيكامب، وربما يتبعه آخرون. وحتى إن لم يهربوا، فإنهم لن يفخروا بانتمائهم للهلال بعد ذلك.
كان الأوفق بإدارة الاتحاد، على الأقل، أن تسعى لتوفير إضاءة كهربائية للمباريات المسائية، وأن تعد برنامجاً مناسباً وتلفزة جيدة، وألا تقام المنافسة خارج استاد الخرطوم. هذا الفشل في الإعداد سوف يدفع ثمنه ناديا القمة، الهلال عاجلاً ثم المريخ لاحقاً. ولا يمكن أن تحقق مكسباً سياسياً مع سوء التنظيم، وسوف تكون النتائج عكسية، ولا أحد يفخر الآن بتنظيم دوري النخبة في الخرطوم.
إن ما تشهده الساحة الرياضية من أزمات متكررة لا ينبغي النظر إليه كحوادث منفصلة، بل كمؤشرات واضحة على خلل إداري يحتاج إلى معالجة جذرية. فالدوري الذي انطلق وسط ارتباك تنظيمي، والمدرب الذي غادر في ظروف غير اعتيادية، ليسا سوى نتيجتين لبيئة تفتقر إلى التخطيط والاستقرار المؤسسي.
ولن يستعيد الهلال، ولا الرياضة السودانية عموماً، عافيتهما الحقيقية ما لم تصبح الإدارة الرشيدة والمحاسبة والاحترافية أساس العمل الرياضي. فالأندية والبطولات لا تنهض بالشعارات أو ردود الأفعال، وإنما بإدارة واعية تدرك أن النجاح الرياضي يبدأ من المكاتب قبل أن يتحقق داخل الملاعب.











