استدامة
- الجيلى إبراهيم بلوله البشير
الأندية لا يمكن أن تسقط وتتعثر فجأة.
بمعنى أنه لن تستيقظ من الصباح، فنجد الخزائن فارغة بلا مقدمات.
الانهيار يبدأ عادة بقرارات بسيطة،
يتبعه توقيع غير مدروس،
ثم التزام مؤجل،
ثم فجوة مالية لا يراها أحد…
إلى أن تصبح عجزًا وأزمة مستفحلة.
في الكرة السودانية، الموارد محدودة أصلًا.
وهذا يعني أن كل جنيه يُهدر ليس خطأ إداريًا عابرًا، بل رصاصة رحمة تُطلق على مستقبل النادي برمته.
السؤال الحقيقي هو ليس من سيدعم النادي؟
السؤال الأخطر والبديهي هو: من يراقب من؟
حين تُتخذ القرارات المالية بلا مراجعة مستقلة،
وحين تُبرم العقود بلا دراسة أثر،
وحين يُصرف المال بلا خطة مرسومة واضحة،
فإن حسن النية لا يصنع استدامة.
المال في الرياضة ليس عاطفة، ولا يُدار بالحماس، ولا يمكن أن يُحمى بالثقة الشخصية.
بل يُحمى بالنظام.
النظام الذي يفصل بين من يقرر ومن يراجع.
النظام الذي يُلزم بإعلان ميزانية قبل بداية كل موسم لا بعد انتهائه.
النظام الذي يفرض تقارير دورية لا تنتظر “كارثة” كي تتحرك.
النظام الذي يجعل كل توقيع مسؤولية لا مجاملة.
الأندية التي تُدار برجال أقوياء فقط، تضعف يوم يغيبون.
أما الأندية التي تُدار بقواعد قوية، فتبقى مهما تغيرت الأسماء.
في بيئة اقتصادية هشّة مثل السودان، تصبح الحوكمة المالية ليست رفاهية…
إنها شرط بقاء واستدامة.
كل جنيه غير منضبط اليوم، هو أزمة تسجيل غدًا، وهو مما لا شك فيه شكوى قانونية بعد غد، بل خصم نقاط في نهاية المطاف.
المال ليس تفصيلًا إداريًا يُترك للمحاسب، إنه يا سادة الوقود الذي يحرك المشروع الرياضي بأكمله.
وإذا لم تكن هناك حراسة من الداخل، فلن يأتي من الخارج من ينقذ الخزائن ويسعفها.
الإصلاح الحقيقي يبدأ حين نعترف أن حماية المال ليست عملية محاسبية روتينية…بل قرار استراتيجي يحدد من سيبقى ومن سيختفي.
وفي الحلقة القادمة:
هل يمكن أن يتحول الجمهور من متفرج غاضب… إلى رقيب واعٍ؟
خبير حوكمة واستدامة القيمة في القطاع الرياضي













