داليا الأسد
هذا المثل كناية عن المواعيد الكاذبة والوعود التي لا تُنفذ، فشُبِّهت بمواعيد عرقوب، وهو رجل كان يوعد ويكذب في وعده، فضُرب به المثل في خلف الوعد. لقد كان يملك مزرعة، فوعد أخاه بأن يعطيه نخلة، فلما كبرت قال لأخيه: دعها حتى تُنتج بلحًا، فلما أبلحت قال له: دعها حتى تُلوّن، فلما لوّنت قال له: دعها حتى ترطب وتصير تمرًا جميلًا، فلما أرطبت وأثمرت وحان وقت الوفاء، قام عرقوب بقطف التمر ليلًا في الخفاء ولم يُعطِ أخاه شيئًا، وتركه. فبهذا ضيّع آماله ووقته وأحبطه، فأصبح هذا المثل أو القصة سائدًا في زمننا هذا، حيث الوعود الكاذبة، وأصبحت للأسف “عملة شائعة”، وغالبًا ما تأخذ أشكالًا تختلف باختلاف المجالات.
فنجد في العلاقات الاجتماعية أنها تظهر في صورة “وعود البقاء” أو الدعم وقت الشدة، لكنها تتبخر عند أول اختبار حقيقي، فأصبحت الكلمات سهلة النطق لكنها ثقيلة التنفيذ، مما أدى إلى ضعف الثقة بين الناس، لأنها أداة تلاعب عاطفي، وتهدف غالبًا للسيطرة أو التملص من المسؤولية، وتؤدي إلى تدمير الثقة وكسر الخواطر وتفكك الروابط، حيث تشمل علاماتها وعودًا مستقبلية مبهمة، وعدم اتخاذ إجراءات فعلية، وتكرار الأعذار، مما يسبب للطرف الآخر أضرارًا نفسية عميقة وشعورًا بالخذلان، لأن هذا الأسلوب يستخدمه البعض، خاصة الشخصيات النرجسية، بتقديم وعود جذابة وغير واقعية حول المستقبل (مثل الزواج أو السفر أو التغيير) لخلق آمال وهمية والسيطرة على الطرف الآخر.
أما في عالم الأعمال والوظائف، فحدث ولا حرج، كثيرًا ما نسمع وعودًا بالترقيات أو بيئة عمل مثالية أو زيادات في الرواتب، وتظل حبرًا على ورق، مما يسبب الإحباط والاحتراق الوظيفي. ومن أسباب انتشار هذه الظاهرة رغبة الإدارة في جذب المواهب بأقل تكلفة ممكنة، وتحقيق أرباح على حساب الموظفين المجبورين على العمل، مما ينتج آثارًا سلبية وفقدانًا للثقة بين الموظف والشركة، وتدهور الأداء بسبب شعور الموظفين بالخيبة، فبهذا تقل إنتاجيتهم وحماسهم، وتكثر استقالات الكفاءات بسبب بيئة العمل السامة. لذلك يجب التوثيق وكتابة كافة الوعود في العقد الوظيفي، والحذر من تصديق الوعود الشفهية التي تتجاوز المعقول أو تأتي بلا جدول زمني، وأخيرًا المواجهة باستفسار واضح حول خطوات التنفيذ. وقد يحق للموظف مقاضاة الشركة بتهمة الاحتيال أو التضليل في حالة تلاعب الشركة عليه وعلى مستحقاته.
أما في الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، فنجد أن هذا هو العصر الذهبي للوعود الزائفة، من “الثراء السريع” إلى “الرشاقة في أسبوع”، والإعلانات المضللة التي تبيع الوهم للناس مقابل المشاهدات أو المال. فلماذا كثرت؟ لأن الناس يريدون نتائج فورية، والوعد الكاذب هو أقصر طريق لإرضاء الآخر مؤقتًا. فالمثالية المزيفة، والرغبة في الظهور بصورة الشخص الخارق أو المتعاون، تجعل البعض يَعِد بما لا يملك، وغياب المساءلة في كثير من الأحيان يجعل الوعد الكاذب يمر دون عواقب حقيقية.
فالخلاصة، في زمن كثرة الكلام وقلة الفعل، أصبحت المصداقية هي العملة النادرة، والشخص الذكي هو من يتعامل مع الوعود بحذر، ويؤمن بأن الأفعال دائمًا أعلى صوتًا من الكلمات. فنسأل الله أن يحفظنا ويقوينا ويسخر لنا أبناء الحلال والإخوان الرجال.













