د. إقبال الباقر
في زمن صارت فيه “الأستوري” تدوم 24 ساعة، والترند يتغير كل يوم، ما الذي يستحق أن يدوم معنا عمرًا كاملًا؟
الجواب واحد: شريك الحياة.
ذلك القرار الذي نتخذه مرة واحدة، لكنه يعيد تشكيل كل أيامنا. هو ليس اختيار فستان أو وظيفة أو مدينة، بل هو اختيار “الرفيق” في الرحلة الطويلة بين الميلاد والرحيل.
لكن المفارقة أننا ندرس لساعات لنختار هاتفًا، ونسأل عشرات الأشخاص قبل شراء سيارة، بينما نقدم على أهم مشروع في حياتنا بعاطفة لحظية أو بضغط من كلمة: “الناس بتتكلم”.
فكيف نختار بعقل وقلب معًا؟
أولًا: الانتقال من الإعجاب إلى التوافق
لقد تجاوزنا مرحلة الاكتفاء بمعايير النسب، والوظيفة، والسمعة. فالواقع المعاصر يفرض مقاربة أكثر شمولًا. إن الإعجاب بلحظة، أو بمظهر، أو بمنصب، قد يخفت بريقه، لكن التوافق في الرؤية والقيم هو الذي يصمد أمام تحديات العمر.
وتشير الدراسات الاجتماعية إلى أن أغلب حالات التفكك الأسري لا تنشأ من غياب الحب، بل من غياب الاتفاق على الثوابت: المفهوم الديني للحياة، وأسلوب تربية الأبناء، ونظرة كل طرف إلى المال، والعمل، والعلاقات الأسرية.
ثانيًا: الاختبار العملي قبل الالتزام القانوني
إن فترة التعارف ليست مجالًا للمجاملات، بل هي مختبر لقياس مدى النضج والمسؤولية. فالشخصية لا تظهر في أوقات الرخاء والترفيه، وإنما تتجلى في ثلاثة مواقف حاسمة: عند الغضب، وعند ضيق ذات اليد، وعند المرض.
كيف يدير خلافًا؟ كيف ينفق ويوفر؟ كيف يبر والديه ويتعامل مع أهلك؟
هذه الأسئلة العملية أهم من ألف وعد.
فالقاعدة التي ينبغي أن نعتمدها هي: اختر من ترضى أن يكون نموذجًا يُحتذى به لأبنائك في المستقبل.
ثالثًا: أبرز المزالق التي تعترض طريق الاختيار
- وهم التغيير: الاعتقاد بأن “الحب سيغيره لاحقًا” وهم قاتل، فالطباع الجوهرية تميل إلى الثبات.
- ضغط المحيط الاجتماعي: الزواج لإرضاء الأهل أو لإسكات المجتمع يؤدي إلى حياة طويلة من التنازلات الموجعة.
- السعي وراء الكمال: المطلوب هو البحث عن “الكفاية والمناسبة”، لا عن شريك خالٍ من العيوب.
خاتمة: في العصبية والتعاون عماد العمران
لخص ابن خلدون، قبل قرون، معادلة نجاح المجتمعات في كلمتين: العصبية والتعاون. وإذا أسقطناها على الأسرة، نجد أن الزواج الناجح هو ذلك الذي يشعر فيه الطرفان أنهما “فريق واحد” في مواجهة تقلبات الحياة.
فلا تبحث عن من يكمل نقصك فقط، بل ابحث عن من يشارك الطريق.
اختر الإنسان الذي تهون معه المصاعب، ويكبر معه الأمل.
في نهاية المطاف، سنعيش مع إنسان، فأحسنوا الاختيار.











