من رفاعة بدأت الرحلة و برحيلها يُطوى فصل من تاريخ الريادة

المعلمة التي فتحت الطريق للأجيال النسائية
صنعت طريقًا لآلاف السودانيات
سيرة امرأة جعلت التعليم بوابة للتحرر
رائدة كسرت حواجز المرأة بالعلم والعمل
مسيرة رائدة صنعت الوعي وكسرت الحواجز
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
انتقلت إلى رحاب الله تعالى، يوم الأربعاء الماضي، الموافق 18 أغسطس 2026، الأستاذة نفيسة أبو بكر المليك، إحدى رائدات التعليم والحركة النسوية في السودان، عن عمر ناهز الرابعة والتسعين، لتطوي برحيلها صفحة مضيئة من تاريخ السودان الحديث.
رحلت «ست نفيسة» بالجسد، لكن سيرتها والأبواب التي فتحتها أمام أجيال النساء تظل شاهدة على جيل من السودانيات لم يقبلن أن يكن مجرد متفرجات على الحياة، بل قررن أن يصنعن مكانهن فيها.
وُلدت نفيسة المليك في رفاعة عام 1932، ودخلت ميدان التعليم وهي في الرابعة عشرة من عمرها، وكبرت وهي تحمل هم التعليم وهم المرأة السودانية، في زمن كان الطريق فيه أمام البنات مليئًا بالعقبات. ولم تكتفِ بأن تكون معلمة، بل أصبحت من الأصوات المبكرة التي نادت بتعليم المرأة وتنظيمها والدفاع عن حقوقها.
ارتبط اسمها بتأسيس الحركة النسوية السودانية، وتولت قيادة الاتحاد النسائي في سنواته الأولى، كما لعبت مدارس المليك الأهلية دورًا مهمًا في تعليم أجيال من النساء.
وقصة نفيسة ليست مجرد سيرة امرأة عاشت زمنًا وانتهى، فالأسئلة التي طرحتها قبل أكثر من سبعين عامًا لا تزال حاضرة: كيف تتعلم المرأة؟ وكيف تعرف حقوقها؟ وكيف تشارك في المجتمع؟ وكيف يصبح التعليم وسيلة لتحرير الإنسان من الجهل والتهميش؟
لذلك، فإن رحيلها ليس فقدًا عاديًا لشخصية سودانية كبيرة، بل هو رحيل واحدة من صانعات الطريق ذاته.
طريق النساء
عندما نتحدث عن بدايات الحركة النسوية في السودان، لا يمكن تجاوز اسم نفيسة المليك. فهي لم تكتفِ بأن تتعلم وتعمل في التعليم، بل مضت خطوة أبعد، لتفتح الطريق أمام المرأة حتى تعرف حقوقها وتشارك في المجتمع.
نشأت في أسرة كان التعليم فيها رسالة قبل أن يكون وظيفة، فوالدها الشيخ أبو بكر المليك أسس عام 1948 مدرسة أهلية للبنات، عُرفت لاحقًا بمدارس المليك.
وتنقلت نفيسة في طفولتها بين رفاعة وبورتسودان وبحري بسبب عمل والدها، ثم التحقت بكلية المعلمات، وفي عام 1946، وعمرها لم يتجاوز الرابعة عشرة، بدأت العمل في التعليم ومحو الأمية عبر رابطة المرأة الثقافية، لتصبح من أصغر المعلمات السودانيات وقتها، وهو أمر كان استثنائيًا في مجتمع محافظ لم يكن فيه تعليم البنات متاحًا للجميع.
وفي عام 1947 التحقت بدورة تأهيلية، ثم عملت في كلية المعلمات بأم درمان.
العمل العام
كانت نفيسة ترى أن التعليم الحقيقي يجب أن يحرر عقل الإنسان، والمرأة تحديدًا، ومن هنا دخلت العمل العام مبكرًا، وشاركت في تأسيس اتحاد المعلمات الذي تحول لاحقًا إلى نقابة، وتولت قيادته من 1950 إلى 1953.
وكان الاتحاد من أهم التنظيمات التي منحت المرأة فرصة التعبير عن مطالبها. ولم تكن المطالب مجرد زيادة في الرواتب، بل شملت تحسين شروط الخدمة، والمساواة بين المعلمات والمعلمين، وتطوير التدريب، في معركة كان جوهرها الاعتراف الكامل بحقوق المرأة العاملة.
دعوة للاستيقاظ
من أهم محطات حياتها كتابتها مقالها الشهير «أما آن لنا أن نستيقظ؟» في صحيفة «الصراحة»، وكان دعوة صريحة للنساء للتحرك وتنظيم أنفسهن ومحاربة الجهل والعادات الضارة.
وساعد المقال في تحريك النقاش حول ضرورة وجود تنظيم نسائي جامع، لتبدأ من هناك خطوات تأسيس الاتحاد النسائي السوداني.
الاتحاد النسائي
في عام 1952 بدأت الخطوات العملية لتكوين الاتحاد النسائي، واجتمعت مجموعة من الرائدات في منزل عزيزة مكي، من بينهن نفيسة المليك وفاطمة طالب وخالدة زاهر وثريا أمبابي وحاجة كاشف ونفيسة أحمد الأمين.
وفي يناير 1952 انعقدت الجمعية العمومية بمشاركة مئات النساء، لتشكل واحدة من أهم اللحظات في تاريخ الحركة النسائية السودانية، وتولت نفيسة المليك رئاسة الاتحاد في دورتين متتاليتين من 1953 إلى 1955.
حقوق المرأة
لم يكن دفاع نفيسة المليك عن المرأة مجرد شعار، بل ارتبط بالتعليم والعمل والتنظيم النقابي. وكانت من الداعيات إلى الأجر المتساوي، وفتح مدارس البنات، وتطوير كلية المعلمات، ومحاربة العادات الضارة.
كما ارتبط اسمها بفكرة إنشاء مدارس تابعة للاتحاد النسائي، إيمانًا منها بأن تغيير المجتمع يبدأ من التعليم.
المرأة والوطن
لم تفصل نفيسة المليك قضية المرأة عن قضية الوطن. وفي زمن الاستعمار، كانت المعلمات والتنظيمات النسائية جزءًا من الحركة الوطنية.
ومن المواقف المنسوبة إليها مشاركتها في الدفع نحو مذكرة تطالب بإلغاء حالة الطوارئ والمادة 105 من قانون العقوبات.
فالمرأة، في رؤيتها، مواطنة كاملة، ومن حقها أن تنظم نفسها وتطالب بحقوقها من دون انتظار من يمنحها هذا الحق.
صوت المرأة
شاركت نفيسة في تأسيس وتمويل مجلة «صوت المرأة»، وأسهمت في التخطيط والتحرير، لتصبح المجلة من أهم منابر قضايا المرأة السودانية في مرحلة مبكرة.
وكان ذلك يعكس إدراكها أن معركة الوعي لا تدور في الفصل الدراسي وحده، بل تمتد إلى الصحيفة والمنبر الاجتماعي أيضًا.
مدارس المليك
بعد وفاة والدها عام 1969، تولت نفيسة إدارة مدارس المليك التي أسسها في الأربعينيات لتوفير التعليم الأوسط للبنات، في وقت كانت فيه المدارس المخصصة لهن محدودة جدًا.
ومع مرور السنوات، ارتبط المكان بحلقات محو الأمية ومبادرات تعليمية أخرى، ليصبح أحد معالم التعليم الأهلي في أم درمان.
تعليم مستمر
لم تتوقف نفيسة المليك عند شهادة المعلمات، بل واصلت تطوير نفسها أكاديميًا. وتذكر مصادر حصولها على درجة الماجستير من جامعة مانشستر، فيما تشير مصادر أخرى إلى حصولها لاحقًا على الدكتوراه الفخرية من جامعة الأحفاد للبنات، وهو ما يعكس ارتباطها الوثيق بالتعليم حتى بعد عقود من دخولها المهنة.
كسر الحواجز
لعل أجمل ما في قصتها أنها لم تكسر الحواجز بالصوت العالي وحده، بل بالفعل.
فتاة في الرابعة عشرة تدخل ميدان التعليم معلمة، ثم تشارك في تأسيس نقابة، وتكتب داعية النساء إلى التنظيم، وتتولى رئاسة الاتحاد النسائي، قبل أن تحمل رسالة والدها التعليمية وتواصلها بعد رحيله.
كانت كل مرحلة من حياتها تقول إن المرأة السودانية قادرة على أن تكون معلمة وقائدة وكاتبة وصاحبة قرار.
أثر باقٍ
الطريق الذي سارت فيه نفيسة وزميلاتها أسهم في جعل تعليم البنات أمرًا طبيعيًا، وفي تحويل المرأة من متلقية للتعليم إلى صاحبة دور في صناعته.
فالمرأة التي كانت تبحث عن مدرسة قريبة أصبحت لاحقًا معلمة وطبيبة ومحامية وصحفية ونائبة في البرلمان وأستاذة جامعية.
ولم يكن ذلك الطريق سهلًا، بل وقف وراءه جيل كامل من الرائدات، كانت نفيسة المليك واحدة من أبرزهن.
نفيسة المليك لم تكن مجرد «أستاذة قديمة»، ولا اسمًا عابرًا في تاريخ التعليم، بل كانت جزءًا من جيل آمن بأن التعليم مفتاح تغيير المجتمع، وأن تعليم المرأة قضية تخص مستقبل السودان كله.
ومن رفاعة إلى أم درمان، ومن الفصل الدراسي إلى الاتحاد النسائي، ظلت حكايتها مرتبطة بفكرة بسيطة وعميقة: أن تعليم المرأة ليس ترفًا، وأن نهضة السودان لا يمكن أن تقوم ونصف المجتمع يقف خارج الباب.
وتظل سيرتها شاهدة على زمن كانت فيه الشجاعة الحقيقية أن تؤمن بفكرة قبل أن يؤمن بها المجتمع كله.
رحم الله نفيسة المليك، وجعل ما قدمته للتعليم والمرأة والسودان في ميزان حسناتها.











