تباشير
وليد محجوب
عندما يعمل شاب يحمل درجة علمية يحلم بها الكثيرون من أقرانه، ومن جامعة مرموقة، مع رجل أعمال نصف متعلم، أو حتى أمي، لا يجيد القراءة والكتابة، ومع ذلك يحصد الأرباح حصداً من نشاطات لا تحتاج لكثير من المعرفة. فقط تحتاج لرأس مال لا يتوفر لحملة الشهادات العليا، لكنه يتوفر لمن حالفه الحظ بميراث جيد أو انتماء لعائلة ثرية. عندها يجد هذا الشاب نفسه واقفاً في مفترق طرق أسئلة صعبة: هل أضعت زمني في تحصيل المعرفة؟ وهل تُعبِّد المعرفة طريق النجاح؟ وهل النجاح يكمن في الحصول على المعرفة أم المال؟
لم تخرج هذه الأسئلة من فراغ، ولا نبتت فجأة على سطح صخر أملس. ففي زمان يحصد فيه لاعبو الكرة، ومطربو الأغاني الهابطة، ورجال أعمال انتهاز الفرص، الأرباح الطائلة. ويشهد شاب غض التفكير هذه النماذج، تتخطفه هواجس أن المال أهم من المعرفة. كيف لا وهو لا يمتلك حتى حق الحلم بمتع الحياة التي يعيشها هولاء.
لكنه لا يدرك أن حياتهم عبارة عن فقاعة كبيرة تخدمها ظروف لا تنفصل عن واقع سياسي واقتصادي معوج، تحيط بها حتى تبقى متماسكة. غير أنها مع أول منحنى من منحيات الحياة الحقيقية ستنفجر ويتبعثر ما تخفيه عن الناظرين. ستتلاشى لأن أصحابها لا يملكون المعرفة الكافية لحمايتها من صروف الدهر، أو إقالة عثرتها والبدء من نقطة بداية جديدة. وما أكثر الشواهد من حولنا لمن ألقى السمع وهو شهيد.
لكن السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا يرى الشباب أن المال أهم من المعرفة؟ أولاً لم يروا نموذج الأفندي المتعلم صاحب الوظيفة الراقية، والدخل العالي الذي يمكنه من تحقيق أمنياته، كما كان الحال في العقدين الأولين بعد نيل السودان استقلاله. فمنحدر الفساد ساقهم إلى نموذج الأب المكافح المتعلم الذي بالكاد يلبي ضروريات الحياة، بينما صُناع عصر التفاهة البعيدون عن المعرفة يمارسون حياتهم بطريقة تسيل لعاب الفقراء.
ثم رسخت السوشيال ميديا هذه الصورة بشكل كبير. فنماذج الثراء السريع من صناع محتويات تافهة على سبيل المثال، من حققوا ثروات طائلة بسلوك طرق قصيرة وسريعة ودون الحاجة لتحصيل المعارف بالطرق التقليدية، تركوا انطباعاً كبيراً في نفوس الشباب بأن المال هو المقياس الحقيقي للنجاح.
وفي ذات السياق، ساهمت ثقافة الاستهلاك السائدة هذه الأيام والتي يروِّج عبرها النظام الرأسمالي لفكرة أن قيمة الفرد تُقاس بما يملكه ويستهلكه، لا بكم المعرفة التي تحصل عليها. فقيمة أحدث إصدارات الهاتف الذكي أعلى من القدرة على إلقاء محاضرة في أهمية اعتماد اقتصاديات الدول على الانتاج المحلي. وأن ارتداء الماركات من ملابس وأحذية واكسسوارات ترفع من قيمة الفرد في مجتمعه المحيط به.
كل هذه الصور التي تبرزها الأسافير على أنها هي المقاييس الوحيدة للنجاح، تدفع الشباب للتركيز على كيفية الحصول على عوائد مادية كبيرة وسريعة. وتزيد ترسيخ فكرة أن الحصول على المال أكثر أهمية من تحصيل المعارف.
لا ينكر أحد أن المال هو عصب الحياة، وأن الحياة بدونه لا تُطاق، وأن من يملكه يستطيع صنع المزيد منه بسهولة. لكن المال عابر، والظروف التي أوجدته قد تتبدل في أي لحظة. أما المعرفة فهي رأس المال الوحيد الذي لا يُسرق، ولا ينفد، ولا يهرب من صاحبه عند أول أزمة.
المال قد يشتري لك مكاناً في الصفوف الأمامية، لكنه لا يشتري لك عقلاً يفكر، ولا رؤية تُنقذك حين تنقلب الطاولة. أما المعرفة، فهي التي تصنع المال من العدم، وتحميه حين يتآمر عليه الزمن.
فالسؤال ليس: هل المال أهم من المعرفة؟ بل: ماذا ستفعل بالمال إذا فقدت المعرفة التي تحميه؟ وماذا ستفعل بالمعرفة إذا امتلكتها ولم تجرؤ على تحويلها إلى فعل؟
النجاح الحقيقي ليس في امتلاك أحدهما، بل في أن تمتلك المعرفة التي تصنع المال، والوعي الذي يحميه، والإرادة التي لا تركع أمام بريق الفقاعات.












