تباشير
وليد محجوب
كلما أقبلت بطولة كبرى، ككأس العالم، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بصور مشجعات فاتنات من شتى الجنسيات والأعراق والألوان، وتسابقت التعليقات حول جمالهن اللافت، حتى يخيل للناظر إليهن أن الجمال ربما هاجر بلادنا واستقر في أماكن بعيدة من زمن طويل. وحين تتكرر هذه الصور، يخرج من يسأل في دهشة أو مرارة: هل نساؤنا شينات؟ هل نحن متزوجون من “باكات”، وغيرنا يتمتع بالأجنحة المتمايلة غنجاً؟
هنا تكمن مأساة السؤال، ليس لأنه صعب الإجابة، بل لأنه وُلد من مقارنة مختلة. فليس للجمال معيار واحد يمكن قياسه من خلال عدد الإعجابات والقلوب الحمراء المنثورة على صور الحِسان في الأسافير. إنما لكل مكان ذوقه ومعاييره الخاصة بالجمال، وليس ما يكون رهينةً لما تختار الكاميرات أن تُظهره وما تقرر أن تخفيه.
فالمصورون لا يبحثون عن امرأة عادية بين الجموع، بل يبحثون عن المرأة الأكثر إثارة وتحريكاً للحواس. فكاميرات الملاعب لا تأبه لآلاف المشجعات “العاديات” الجالسات في المدرجات، بل تصطاد المُلفِتات من بينهن؛ من اجتمع فيهن الجمال والزينة والجرأة في الملبس والإيماءة والابتسامة. ثم تُعاد هذه اللقطات ملايين المرات حتى يتوهم المشاهد أن هذا هو الوجه الحقيقي لنساء تلك البلدان.
لكن، أين نساؤنا في هذه المقارنة؟
لو نظرنا في صورة المرأة التي رسمها الشاعر محمد علي عبدالله الأمي في قوله:
هواك وهواى بى جاروا .. وسبن أفكارى نظراتك أحب تعطف تزيل وجدى .. واحب كل البحب ذاتك بحب لونك بحب لونك بحب .. يا حبى نفحاتك بحب فى خدك الزهرة .. وبخاف ترمينى لمحاتك
أو ما قاله ود الرضي عندما رأى فتيات حضرن لزيارة قبه شيخ من شيوخ الصوفية فقال:
جن يتمايحن والضمير مخروت
والردف والحلل مابين نفي وثبوت
زارنو المقامون فضلهن مثبوت
عليو يتلامسن ياليتني التابوت
فلنتخيل لو جلست ملهمة الأمي أو إحدى فتيات ود الرضي في المدرجات بملابس تكشف معظم مفاتن جسدها، وتهيأت للكاميرات مستعرضة زهرة خدودها بعلم السودان مرسوم بعناية تحت لحظها الفتاك. عندها كانت تصير إحدى أيقونات الزمان مثل الموناليزا.
لكن ثقافة الاحتشام عند مجتمعاتنا تقوم على إخفاء الزينة لا الإعلان عنها. فكيف تستقيم المقارنة بين امرأة تعمد إلى إظهار كل عناصر جمالها، وأخرى ترى أن من كرامتها أن تسترها؟
لا شك أن نساءنا لا يحتجن إلى شهادة من عدسات الملاعب ليُثبتن جمالهن، ولا إلى تصويت إلكتروني يمنحهن صك القبول.
لقد نجحت صناعة الإعلام الحديثة في خلط مفهومين مختلفين: الجمال والجاذبية البصرية. الأول نعمة فطرية، أما الثاني فهو صناعة كاملة؛ تبدأ بمساحيق التجميل، ولا تنتهي بالإضاءة، وزوايا التصوير، والأزياء، وطريقة الوقوف أمام العدسة. وما أكثر ما يُصفق الناس لما صنعته الكاميرا، لا لما خلقه الله.
وللأسف، وقع بعضنا في الفخ، فأصبح يقيس جمال نسائه بمسطرة لا تخصه، ويقارن بين صورة امرأة التقطتها عدسات تبحث عن الإثارة، وصورة امرأة اختارت أن تجعل حياءها جزءاً من جمالها. إنها مقارنة لا تُنصف من جعلت خِدرها موطن غنجها.
ثم إن تاريخ الجمال نفسه لا يعرف احتكار قوم دون قوم لهذه النعمة الإلهية. ففي كل أمة الجميلات والعاديات، كما تسطع في كل بلد ذات الشمس وتصنع ذات الظل. ولم تكن نساء السودان يوماً أقل جمالاً من غيرهن، فقط لأنهن تميزن بعدم بذله للناس بلا حياء.
إن المشكلة ليست في ملامح نسائنا، بل في عيون اعتادت أن تربط الجمال بقدر ما يُكشف من الجسد. فحين يصبح التعري معياراً غير معلن للجمال، يغيب الاحتشام عن المنافسة من أصلها، ثم يُقال بعد ذلك: أين جميلات السودان؟
قطعاً نساؤنا لسن شينات. ولكنهن اخترن أن يتركن جزءاً كبيراً من جمالهن خلف ستار الحشمة، بينما اختارت أخريات أن يجعلنه مادةً للكاميرات وعيون المتلهفين للمخبوء والعطشى. وبين الأمرين فرق شاسع. فإبراز ما ينبغي أن يُستر هو الذي صنع الوهم بأن السافرات أجمل، وأن المحتشمات أقل بهاءً، بينما الحقيقة غير ذلك. ولو ارتدت نساؤنا ما ترتديه أولئك المشجعات، وأظهرن من الزينة ما يظهرنه، لتبدلت المقاييس نفسها، ولوقف كثير ممن يرددون اليوم ذلك السؤال يصفقون لجمالهن. غير أن الجمال الذي يحرسه الحياء يبقى أسمى من الجمال الذي لا يلفت الأنظار إلا لأنه كشف أكثر مما ينبغي له أن يُكشف.













